أيلول/ سبتمبر  2009

الآراء المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن حقائق نهائية.. لذا تتعهد الإدارة بنشر ما يردها من القراء حولها    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الحـقـيبـة السـوداء     

الكاتب: جـقـل


 

( 18 )

 

 

بدأت تتدفق على الوزارة موجات من "الكتب الرسمية" واردة من المديريات في بعض المحافظات شاكية باكية من بدايات ظهور آفة مرضية على أشجار الحمضيات والحمضيات موسم إستراتيجي لا ينفك رئيس مجلس الوزراء عن التنويه بأهميته فقد كان يوجه نظراته ألي ويؤشر باصبعه نحوي في كل إجتماع ليوصيني بالحمضيات خيرا ويوجهني الى بذل الغالي والنفيس لابعد تدخل الطبيعة في موسم الحمضيات.

 تطور الأمر وأصبح له ابعاد وذيول فقد بدأ بعض كبار ضباط الجيش والأمن بالإتصال بي مباشرة للشكوى من نفس الآفة التي بدأت تصيب بساتينهم . وهنا دب الإستنفار في كل أرجاء الوزارة فوجهت دعوة لجميع المعنيين , معاون الوزير ومدير المكافحة الزراعية ومدير وحدة البيطرة ومدير قسم إكثار البذار وأخرين.. دعوتهم لأجمع أكبر قدر ممكن من الناس لأصب جام بذائتي فوق رؤؤسهم, وما أن حضر هؤلاء حتى بدأت أعيد عليهم محفوظات الإبتدائية التي تقول بأن الوقاية خير من العلاج وأتهمتهم بالتقصير الشديد في واجباتهم حتى وصلنا الى أن نتهدد بخطر آفة الحمضيات وكأنه لا يكفينا العدو الخارجي اللعين الذي يتربص بنا والمؤامرات الدنيئة التي تحاك للنيل من صمودنا حتى تأتينا هذه الآفة الخطيرة.  وطلبت من الحاضرين جميعا أن يقوموا بالبحث والتحري لمعرفة سبب هذا الداء واسلوب معالجته بشكل سريع و فعال.

تبين أن الحمضيات مصابة نتيجة تكاثر حشرة تسمى الذبابة الصوفية البيضاء وهذه الذبابة لم تحظى بهذا الأسم نتيجة اعتكافها كالكاهن المتصوف فوق أوراق النبات، ولكن نتيجة إفرازاتها لمادة بيضاء خيطية ذات طبيعة لزجة تشبه خيوط الصوف فتغطي الأوراق بطبقة تمنع عنها ضوء الشمس وتحرمها من تأدية واجبها في إنتاج الثمار الوفيرة ليهنأ السادة الضباط مالكوها. حاولنا أن نكافح هذه الحشرة بالسوائل الكيميائية والمبيدات الغازية فلم تنفع معها, عقدنا أجتماع ثان لنعرف سبب عدم جدوى المبيدات فتبين أننا أستعملنا نوعا تستوردة شركة "اللواء" قائد المنطقة العسكرية الثالثة ومن المعروف أنه يخلطه بالماء فيكاد يصبح صالحا للشرب، وقد تعاقدت الوزارة معه لتزويدها بالمبيدات لمدة عشر سنوات. ثم استعملنا مبيدا غازيا ينتجه مصنع "التحرير" لصاحبة اللواء قائد جحفل الضفادع البشرية ذو الأسم السري "دولفين"،  ولكن لوحظ بعد استعمال هذا المبيد أزدياد أعداد وحجم الذبابة الصوفية البيضاء. صرخت على المجتمعين أن يكفوا عن إلقاء التهم على الآخرين وعليهم الإعتماد على أنفسهم في قتل هذا العدو الداخلي الذي يهدد أمننا الزراعي.

 

تفاعلت مشكلة الذبابة الصوفية البيضاء وشكلت لجنة "أزمات" عليا برئاسة السيد رئيس مجلس الوزراء شخصيا وعضويتي وعضوية كل من وزير الإقتصاد والمالية والتموين والري .وكنت محور الجلسة في أول أجتماع أزمة،  فقد نوه وزير الإقتصاد الى خطورة الوضع اذا لم نضع حدا لهذه الذبابة وتبعه وزير التموين في جولة ندب أخرى ونبه الى عجز السوق عن تلبية حاجة المواطنين من مادة الحمضيات وخاصة أننا نقترب من موسم الشتاء وفيه تكثر أمراض البرد وهذه بحاجة الى الليمون والبرتقال وأبو صرة واليوسف أفندي. كان وزير التموين يعدد أنواع الحمضيات وينظر إلي وابتسامة شامتة معلقة فوق أسنانه الصفراء المتباعدة. حافظت على هدوء أعصابي وأنتظرت أن يتكلم وزير المالية أقرب المقربين إلي في هذه الجلسة..  وفعلا لم يخيب رجائي عندما قال بأن دخل الخزينة في العام الفائت من الحمضيات كان قليلا جدا ولكن مع ذلك فإن وزارة المالية لن تبخل بأي ميزانية أطلبها في سبيل مكافحة الذبابة البيضاء. عند هذه المرحلة وقف السيد رئيس مجلس الوزراء على قدمية ووجه كلامه نحوي مباشرة وقال اذهب فورا وأتني برأس هذه الذبابة مهما كلف الأمر ثم خرج من الغرفة.

 

في مثل هذه الحالات الكئيبة التي كنت أمر بها كان منزل بدر السنجري ملاذي الآمن فهو رجل يصغي بإهتمام وينصح بود وزوجته سيدة ناعمة وثيرة ولمسة أصابعها الحريرية تستخرج من مسامي كل آثار الوهن والقنوط. وصلت الى منزل السنجري قبل أن يصل وربما تباطأ عامدا فهو يعرف الضغط الذي أرزح تحته. جلست على أحدى كراسية المريحة وجلست زوجته كالقطة تحت قدمي تضع أحدى يديها على فخذي وتدس الثانية في فمها تريد قضم أكبر كمية من أظافرها قبل أن يأتي السنجري الذي كان يزجرها بمجرد أن يراها وهي تقضم اظافرها. لم أكن متضايقا من هذه العادة ولم ألتقفت أليها رغم أن زوجة السنجري تبدو في منتهى البلاهة وهي تحاول إيصال اسنانها الى أبعد نقطة ممكنة من أظافرها.

 

عنما جاء السنجري كنت اقفل آخر رز من ثيابي وأتاهب للجلوس ثانية بينما خرجت زوجته لتعد ثلاثة فناجين من القهوة لأنها تعرف أن هناك امرا يجب التحدث فيه. كان السنجري متعاونا جدا ورغم أنه رجل إدارة فقد ذكر أمامني طريقة مكافحة قال أنه قرأها في أحدى الصحف وهي المكافحة بالعدو الطبيعي، وشرح لي أن خلاصة هذه الطريقة هي البحث عن العدو الطبيعي للكائن الذي تريد التخلص منه فلكي تتخلص من الفأر يجب أن تربي قط ولتتخلص من قط يجب أن تربي كلب وهكذا.. سألته طيب وكيف سنجد العدو الطبيعي لهذه الذبابة الوقحة؟ رد بأن هذا خارج إختصاصه ولكن يوجد لدينا "دكتورا" أسمه علوان العابد ابتعثته الوزارة الى الإتحاد السوفيتتي للتخصص في هذا المجال وقد عاد منذ سنين وهو يعمل الآن مرشدا زراعيا فيمكن أستدعاؤه للإستفادة من خبراته في هذا المجال. أطريت على ذاكرة السنجري الحاضرة دائما ولكنه قال لي أنه يتذكره لأن اسمه و كنيته تبدآن بحرف العين و كانو يلقبونه الأستاذ "إع إع" لذلك فقد أنحفرت "الإع" في الذاكرة.

 

لم أدخر الوقت فتحركت فورا الى مكتبي في الوزارة  وطلبت استدعاء الدكتور علوان فورا.  حضر علوان خلال نصف ساعة وبدا رجلا مهذبا هادىء  لكنه مرتبك تتداخل الكلمات في فمه  ويتلجلج لسانه في حلقه, وقدرت أنه يهاب من حضوري الذي من المؤكد أنه سمع عنه الكثير. حدثت علوان عن المشكلة الكبيرة التي نعاني منها وطرحت أمامه مسألة العدو الطبيعي. تبين أن الرجل يعرف بموضوع الذبابة البيضاء ولكنه لم يكن موافقا على مسألة إستعمال العدو الطبيعي، لأنه كما قال يجب إجراء دراسات وبحوث على هذا العدو الطبيعي لأنه قد يقضي على الذبابة البيضاء و لكنه قد يخلف مشكلة اكبر. طبعا أنا أمسكت كلمة قد يقضي على الذبابة البيضاء ووقفت عندها. فقاطعنه بحدة ووقفت لأبرهن له قصر قامته وصرخت في وجهه: أنت هنا لتنفذ يا علوان وليس لتبدي الرأي.. عنما اقول لك جد لي عدوا طبيعيا يجب أن تجده فورا نحن أرسلناك الى أرقى الدول لتتعلم على حسابنا لأننا نحتاج لعلمك  في مثل هذه الحظات العصيبة التي تمر بها البلاد وليس لتلقي الخطابات الفارغة عن التجارب والإختبارات. هيا أنقلع من وجهي أريدك غدا صباحا هنا و معك حل....أنقلع.

ا نقلع علوان وركبتاه تصطكان وقد تدلى فكه السفلي من شدة الذعر. وبعد أن خرج أسترخيت على كرسي المريح أستعيد نظرة علوان الخائفة المذعورة بعد أن كان يتحدث بثقة عن التجارب والإختبارات المعملية التي يجب أن يجريها قبل أن يعممها. يا لهؤلاء التعساء الذي يضيعون أوقاتهم في سبيل الحصول على نتائج معروفة قد سبقنا أليها كثيرون فلماذا نعيد ما كان.

 

أبو مكنى نفسه شعر بخطورة الذبابة وهاتفني بحدة وصرخ بوجهي قي ثورة عارمة وأمرني أن لم أقطع خبر "الدبان" كله و ليس "الدبانه البيضا" فإنه سيقطع خبري من الصحف والإذاعة وكل وسائل الإعلام. بصراحة لم أحس بالمسؤلية امام رئيس مجلس الوزراء كما أحس بها أمام ابو مكنى ولم أكن أعير أهتمام لتوجيهات رئيس الوزراء كما كنت أهتم بتوجيهات أبو مكنى. كنت اسارع الى الى تنفيذ رغبات ابو مكنى فورا دون ابداء أي نوع من التباطؤ أو الإهمال ودون نقاش حتى حسب التعليمات العسكرية بينما كنت أماطل رئيس الوزراء وأناقشه وأناغشه واحيانا أتحايل عليه وقد أخذته مرارا على قد عقله. ولذلك بعد هيجان أبو مكنى على الذبابة البيضاء لم أنتظر حتى الصباح بل ارسلت خلف علوان العابد ليأتي فورا الى مكتبي و قد تجاوزت الساعة العاشرة مساء.

حضر علوان المسكين وقد اصطبغ وجهه باللون الأصفر صفرة الأموات لأنه ظن أن الإستدعاء استدعاء أمنيا. ولكنه في الواقع لم يكن أقل من ذلك لأنني كنت أنوي أن اقذف علوان الى الكلاب إن لم يكن لديه حل فوري. لم اتكلم ولم أرفع تظري الى علوان وأكتفيت أن أتنحنح بصوت اجش: ها....شو؟

ابتلع علوان لسانه مكن الخوف ولكنه جاهد ليخرج كلماته القليلة من فمه،  فجاءت متقطعة مترددة وجلة:سيادة الوزير العدو الطبيعي للذبابة البيضاء موجود، وقد جرب في دول مناخها قريب جدا من مناخ بلادنا واثبتت فاعلية  لكن....

قاطعته بحدة صارخا: لاأريد ولكن.. أريد أن تقول من اين نحصل على العدو الطبيعي؟  تابع علوان بذات النبرة المرعوبة المتلعثمة: من ايطاليا واليونان وقبرص واسبانيا.

لم انتظره لكي يكمل كلامة واتصلت بالسنجري ليجد لي من اي من تلك البلدان يمكن توريد مثل هذا العدو. جاوبني بأنا نستطيع أن نستورد من جميعها لأننا والحمد لله وبفضل قيادتي الحكيمة للوزراة فقد عقدنا أتفاقية تعاون مع كل تلك البلدان.. وتابع كلامة هامسا: ولكن الست حرمنا جاي على بالها تروح على ايطاليا.

 

... / يتبع

 

 

    الفصل السابق                                                   

                  الفصل التاسع عشر               

        الفصل الأول                       

 


 لا تنسوا أن ترسلوا هذه القصة إلى الأصدقاء

 
 
 
 

 


عودة للأولى   


مدن محظورة   2009      modon net