أيلول/ سبتمبر  2009

الآراء المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن حقائق نهائية.. لذا تتعهد الإدارة بنشر ما يردها من القراء حولها    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الحـقـيبـة السـوداء     

الكاتب: جـقـل


 

( 17 )

 

تبين لي  أن المسافة الفاصلة بين الوزير ومعاونيه أكبر بكثير مما كنت أظن. لأن معاون الوزير يقبع في مكتبه منتظرا تقريع وزيره ويغتنم الفرصة بين "البهدلة" و التي تليها ليحظى بماضجعة سكرتيرته،  فيما يكون الوزير مشغولا بتلقي مكالمات هاتفية من علية القوم الممسكين بأجهزة الدولة العسكرية والأمنية، ولا يخلو الأمر من مكالمات من بعض أعضاء مجلس الشعب الذين يطلبون بعض الخدمات كتوظيف قريب أو رخصة تجارية ما.

 كنت أسارع لتقديم خدمات من درجة الخمس نجوم للفئة الأولى من كبار رجال الدولة والجيش والأمن.  كان هؤلاء جميعا شركاء في أعمال تجارية أو صناعية يديرها آخرون وتتمتع بالحماية والرعاية التامة من أحدهم.  وتتفرع هذه الأعمال لتشمل كل شيء من تجارة الجوارب والزيت، الى صناعة العلكة والمياه الغازية، الى أعمال المقاولات والأنشاءات، نزولا الى أعمال الترفيه كالنوادي الليلة والكازينوهات. الجميل في هؤلاء أتفاق الجنتلمان غير المكتوب فيما بينهم فإذا دخل أحدهم مجالا ما يبتعد الجميع عن هذا المضمار احتراما له، كما أن للرتب العسكرية وقارها ودورها في الأمر فإذا افتتح لواء ما ملهى ليلي في منطقه ما،  يغلق العميد ملهاه المجاور أو ينتقل به الى مكان آخر وخاصة اذا كان من نفس "الإختصاص"،  فلا تجد ملاهي ليلية لسلاح المدرعات في منطقة واحدة..  ولا تجد إلا ضابطا كبيرا  واحدا من سلاح المشاة وقد أفتتح معملا للمياه الغازية.

ولقد أعجبت كثيرا بهذا الإنضباط العسكري الرفيع ونقلت انطباعاتي بهذا الخصوص الى أبو مكنى.

 

أما أعضاء مجلس الشعب، وهم بمجملهم شديدي الغباء وكأنهم يخضعون لإختبار ما يكشف عن تدني الذكاء قبل التحاقهم بالمجلس المذكور إذ لا يقدرون خطورة منصبهم التشريعي،  فتجدهم يهرعون الى مطبخ المجلس لتناول الطعام أو المشروبات وكثيرا ما أجد بعضهم نائمين على كراسيهم على مقاعد المطعم وهم واقعون تحت تأثير الوجبة المهولة التي أبتلعوها.

هؤلاء كانوا يتقدمون  لي ببعض الطلبات. وتفاهة هذه الطلبات تنبىء عن مقدار الغباء الذي يحملونه على ظهورهم،  فمنهم من ينتظر حتى انتهاء أو رفع الجلسات في مجلس الشعب فيهرع  الى الوزراء الذين حضروا  الإجتماع  للحصول على توقيعات تتيح له الحصول على بضع أكياس أسمنت أو بضع أمتار من السيراميك..  وهؤلاء بالذات كنت أتقصد أن أواجههم بالكثير من الإحتقار والمهانة و عنما يمد أحدهم يده بطلب ما كنت أرمقه بنظرة نارية و أرشقه بكلمات جافة مهينة قائلا:

-  قدمه أصولا ألا تعرف الأصول يا سيدي...

فيضب "العضو" ذيله بين قدميه ويعود سريعا و هو يجره خلفه.

هكذا لم يمض الكثير من الوقت حتى أصبحت بعبع أعضاء مجلس الشعب،  وصار هؤلاء الأعضاء   يتحاشون حتى النظر إلي، وإن تعطفت بإلقاء السلام على أحدهم  كان يتعثر برده كمن تلقى صك غفران . و لكنني أحيانا وإمعانا في رسم الصورة التي أردتها، وهي  صورة القاسي الذي يبتسم أحيانا، كنت أتنازل  وأغير من سلوكي بشكل مفاجىء فأنادي أحدهم على مرأى ومسمع من الجميع "أبو فلان" تعال أريدك..  فيهرع المسكين كالكلب الأمين وكأن هاتفا من الجن ناداه ويقف بين يدي صاغرا لأسأله عن الطلب الذي يريده،  فيخرج ورقته بسرعه كطالب فرح بدرجات فيحظى بتوقيعي.. ثم أتابع سيري دون أن ألتفت الى دعائه وابتهاله لله بأن يعلي مراتبي و يكبر كرسي.

كانت تسليتي الأثيره حضور جلسات مجلس الشعب والتسلي بمشاهدة هؤلاء المهرجين وخاصة بعد الإجتماعات مع "صديقي" أبو مكنى الذي لم تنطل عليه حيلي الشخصية الحازمة والشديدة فأستمر في ألقاء الشتائم والسباب بمناسبة وبغير مناسبة. لذلك كنت أخرج من مكتبه غارقا في بذائته حتى أذني، واتجه  فورا الى تحت قبة مجلس الشعب لأنفث في وجوه أعضاءه ما أحمله من غم. وأتسلى بالتفرج  على من كان يمتلىء وطنية وغيرة وحرصا على الوطن،  فيبالغ بالصراخ ويبالغ بالخضوع ويبالغ بالتصفيق...

هؤلاء كانوا  أكثر أعضاء المجلس طلبا للخدمات الخاصة من الوزراء...  وأكثرهم  زعيقا  وصراخا في سبيل المصلحة العامة. وهم يعرفون جيدا أن هذا الزعيق والصراخ سيذهب أدراج الرياح.

 

سمعتي "العطره" وجدت طريقها سريعا الى فوق.  صرت أتلقى مكالمات من رئيس الوزراء تثني على سلوكي وحزمي،  بل إنه   زارني في مكتبي مرة تكريما لي على خدماتي الجليلة في شد عضلات وجهي وإظهار بذائتي أمام مخاليق الله،  وصرت صديقا قريبا جدا من وزير الدفاع فقد كان يخصني بآخر ما خطه من أشعار وآخر الخواطر الوجدانية التي عبرت افق خياله. ثم بعد انتظار طويل تلقيت الاتصال الذي كنت أنتظره من وزير الخارجيه الرجل الذي يحمل في وجهه لؤما يكفي قبيلة عبس كلها.  أتصل رجل الديبلوماسية الأول في القطر يطلب مبيدات زراعية لكروم العنب التي يملكها ولم اوفر تلك السانحة الرائعة لأقول له بكل الجدية التي في العالم:

- وكيف تريدني أن أزود مزرعتك بمبيدات؟ تحت أي بند سيدي؟...

توقف صوته وكنت خلال زمن الصمت القصير أسمع فحيحه على الطرف الآخر، ولكنني لم امهله كثيرا حتى غيرت نغمة صوتي قائلا :

-  أنت بتأمر سيدي بدنا خدمة تحرز...

طبعا سيادة وزير الخارجية لم يوفر شيئا بعدها؛ بذور زراعية وشتول موسمية لمزارعه, وحدة المساحة الهندسية لحصر ملكيته الزراعية و تحديد "عرصاته" التي يملكها, أساليب وأدوات الري الحديثة وقد بنيت له مسبحا في فيلته الجديدة بعد أن أوعزت الى بدر السنجري ببيع المققنات الغذائية التي تحصل الوزارة عليها مجانا من منظمة الأغذية والزراعة الدولية، وهي ذات جودة عالية و غير متوفره في الأسواق...و لكن كم وزير خارجية في البلد!!

كان أبو مكنى يبتسم بمكر عنما يستمع الى قصصي مع وزير الخارجية. لم يكن يشعر بالغيرة لتقربي من رجال دولة بهذا الثقل بل أحيانا كان هو يفاجئني بمعرفته لأمر أو حديث سرّي دار بيني و بين رئيس الوزراء , و حتى مقابلتي على انفراد مع الرئيس لم تهز عضلة واحدة في وجهه بل لم يسألني عما دار بيني و بينه و عنما أردت أن أخبره  قاطعني بحدة:

 -  ألم تسجل كل شيء في تقريرك المكتوب..؟

وعندما هززت رأسي بالإيجاب عاد لمتابعة الحديث الذي كان قد بدأه.

في هذه المرحلة كان ابو مكنى يبدو غريبا جدا لدي.  كنت أعتقد بأنه رجل ذو محدودية، وكنت أظن أنه يكبر درجة بمجرد أن أكبر درجة ولكنني فيما يبدو  كنت مخطئ فقد كان يكبر أكثر من درجة عنما أكبر أنا درجة واحدة. أو أنه  كان كبيرا بطبيعته ولم  يكن  بحاجة الى درج ليحبو فوقه كما أفعل.. فهو ولد على "السقف".

حتى لا تتعمق صورة " الإنكشاري" التي اختارها لي موظفو وزارتي حاولت تقديم خدمات مباشرة لبعض الموظفين؛ وهبت مكافآت مباشرة سخية لبعض المتميزين، وأنشأت صندوقا يقدم معونات لطالبي الزواج أو لمن يعانون من أمراض مزمنة...  وتقصدت أن تظهر صورتي خلف كل خدمة وأصبحت صورتي موضع جدل كبير بين الجميع،  ولم يحسم أحد أمره بشأني فمرة يقال :

 - يا عمي يا هيك الوزرا يا بلا.... وومرات أخرى يقول  بعضهم :  العمى بقلبو...  ما بيضحك للرغيف السخن...

وكان هذا بالضبط ما أردت أن أحصل عليه؛ جدل ولغط في الأسفل في قاع السلم الوظيفي،  ورهبة وترقب وتحالفات في أعلى السلم الوظيفي، وعهد وثيق مع الأمن متمثل "بصديقي" أبو مكنى لا تنفصم عراه.  وزير يتمتع بهذه الميزات من الصعب أن يتدخل أحد لسلبه حقيبته.

بداية المشكلات التي واجهتها و أنا أتربع على كرسي الوزارة لم تكن مع وزير آخر و لا مع رتبة عسكرية كبيرة بل كانت مع الذبابة الصوفية البيضاء...

... / يتبع

 

 

      الفصل السادس عشر                    

 


 لا تنسوا أن ترسلوا هذه القصة إلى الأصدقاء

 
 
 
 

 


عودة للأولى   


مدن محظورة   2009      modon net

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

un compteur pour votre site         ـ