|
الحـقـيبـة السـوداء
الكاتب: جـقـل
( 16 )
دخل
الرئيس إلى القاعة الرهيبة التي ضمتنا. كان رئيس الوزراء الى جانبه
وخلفه مرافق الرئيس الذي كان يظهر معه في كل أطلالة له على
التلفزيون. كان الرئيس يرفع يده بالتحية كلما وصل الى تجمع وزاري
صغير، وكان التجمع يتبعه بعد أن يرد التحية بشكل جماعي. سار الموكب
وئيدا حتى وصل الرئيس الى صدر القاعة. عندها استدار وواجهنا بحركة
عسكرية منتظمة متناسقة في حين أصطف الوزراء صفين طويلين منتظمين عن
يمينه وشماله. نقـّل بصره بيننا واحدا واحدا فلم يجرؤ أحد على التنفس
ولا حتى على رفة جفن. بدأت أحس بعصاب الأمكنة المقدسة. نشف حلقي
وأعترتني قشعريرة باردة وشعرت بحاجة شديدة لأحك خلف أذني لكني لم
أجرؤ على الحركة وأنا اشاهد هذا الحشد وقد تحول الى كومة من الحجارة.
حاولت أن أتناسى ولكن الحكة اللعينة أبت ألا أن تبقى حاضرة وزادت
مساحتها لتشمل معظم مؤخرة الرأس والرقبة. كنت مستعدا لأن اتخلى عن
الوزارة في مقابل حكة واحدة لا غير. حين تجرأت أخيرا على تحريك عيني
لأتفرس في الوجوه التي حولي قرأت في كل عين توق شديد الى "الحك" في
مكان ما.
أخذتني الرغبة في الحك عما يدور
حولي فلم أشعر ببداية حديث السيد الرئيس ولكن التصفيق الذي حظي به
القسم الأول من كلامه أنتشلني من ملكوت "الهرش" الى بؤس الواقع فوجدت
يداي تتحركان بخفة لتثبتان ولاء لا يقبل الشك عبر تصفيق ملعلع مميز
أردت أن يسمعة الجميع. تحدث الرئيس عن الفساد وعن ألمه لفقدان رفاق
كفاح بعد سقوطهم في براثن الطمع والأنانية فنسوا الوطن وتذكروا
أنفسهم. ثم حدثنا على مكافحة التبذير والإكتفاء الذاتي والإعتماد على
الذات. كان السيد الرئيس بليغا ينتقى كلماته وقدرت أنه يتقصد البلاغة
وقد يعجبه لفظ أو جملة فيعاود تكرارها. أستطالت آذان الجميع وربما
تمنينا أن نمتلك آذان حمير لنلتقط كل حرف ينطق به و كل كلمة تجري على
لسانه. كنا نستمع إليه كما يستمع المريد الى شيخه الجليل المكشوف عنه
الحجاب, وعنما أنهى كلامه كدت أسمع البعض وهو يردد: "صدق الله
العظيم".
رتبت
الأمور لأداء القسم للوزراء الجدد. وضع حامل القسم الخشبي في المنتصف
ووقف الرئيس خلفه ووقف خلف الرئيس رئيس وزرائه ومرافقه الشخصي. كان
منظر الرجلين طريفا؛ المرافق طويلا عريضا بحواجب سوداء مقفولة وصدر
بارز كصدر الثور أما رئيس الوزراء فكان نحيلا يكاد لا يظهر في بذلته
باسما مشرقا مستبشرا لسبب لا يعرفه إلا هو. تقدم أحد زملائي من
الوزراء الجدد ووقف أمام لوحة القسم وردده بسرعة ثم صافح الرئيس
وتنحى جانبا. تقدمت بسرعة بخطوة حرصت على أن تكون ثابته منتظمة ووقفت
أمام اللوحة نظرت الى حروفها الكبيرة السوداء ثم نقلت بصري الى وجه
السيد الرئيس الذي كان يرشقني بعينيه. كانت نظرته مالحة فلم أستطع أن
أبقي عيني في عينيه طويلا وكنت قريبا جدا لأرى تقاطيعه بدقة؛ كانت
قسماته متكلسة على تعبير واحد غير واضح ويمكنك أن تميز بسهولة الحدود
الفاصلة بين جبهته ووجنته البارزة, أنفه يتوسط وجهه ويقسمه الى قسمين
متساويين ينتهي بنصف كرة حمراء وردية لا يشك من ينظر أليه أن هذا
الأنف موجه الى الصدر مباشرة. الفم مفتر ابدا تبدو تحته اسنان أقرب
الى الإصفرار وشفة سفلية مقلوبة تحار في تعبيرها بين الإستغراب
والقرف, ذقنه قصيرة مكتنزة بعكس وجهه الخالي من اللحم. أغمضت عيني
لحظة قصيرة لأهرب من أطنان الملح المتفجر من عينيه وفتحتهما ثانية
لأقسم للرئيس يمين ولائي. عندها بدا لي وجهه كقطعة من البازلت.
أحس
الرئيس أنني بطيء قليلا ولم يدر أنني أحاول أن أتأمله أكثر فمازحني
قائلا:
-
شو
ياواوي....ما بدك تصير وزير...
طبعا
أنفجر الجميع ضاحكين وأكتفيت بابتسامة شاكرة. انتظرت حتى هدأت القاعة
الضاحكة من تعليق الرئيس وقرأت الكلمات التي أمامي دفعة واحدة. كان
قسما مغلظا بالمعتقد والشرف ان أكون مخلصا ووفيا وخادما أمينا للوطن.
بعد أن انتهيت مد إلي الرئيس كفا معروقة مددت يدي إليها تناولتها
بخشوع كما يتناول المسيحي القربان المقدس. كانت أصابعه قوية صلبة
باردة. شدني إليه وقال:
-
مبروك...
-----------
كانت
عبارات التهنئة هذه المره أكثر قوة, وباقات الورود أكبر حجما وأكثر
حمرة، أما الشخصيات التي أرسلتها فكانت من الوزن الثقيل, أعضاء
"دائمون وراسخون" في مجلس الشعب, وزراء عتاة سابقون, ووزراء أباة
حاليون, رؤساء المنظمات الشعبية , والنقابات, محافظون, ضباط عسكريون
بمناصب رفيعة, وحتى العميد قائد فوج إطفاء العاصمة أرسل لي هدية
سيارة إطفاء حمراء صغيرة , كما تلقيت من معظم مرسلي التهاني مكالمات
هاتفية, أو زيارات شخصية, القاسم المشترك بينهم جميعا كان الضحك
بأشداق مفتوحة على الآخر. كان أحدهم يهنئني ويفقعها ضحكة مدوية
مجلجلة وكأنها أحدى لوازم التهاني. لم أكن متضايقا من الضحكات
المهنئة ولكني أستغربت من مدى السعادة التي نشعر بها، والسعادة كما
هو معلوم تتناسب "طردا" مع مساحة الفم المفتوح, وعليك أن تكون وزيرا
لترى الجانب المشرق المستبشر لهذا الشعب العظيم.
قررت
أن أكون وزيرا مختلفا بحيث اذا عقدت اي مقارنة بيني وبين الوزير
السابق ان يقال فورا "شو جاب الطظ لمرحبا", الاختلاف قررته لمجرد
الإختلاف وذلك أن "الطظ" و "المرحبا" وجهان "لآفاق" واحد , أو ربما
كان تغييرا لأرسم صورة مميزة يكون لها أثرها فيمن يجلس في الأعلى,
أصدرت منذ اليوم الأول لي كوزير قرارا يمنع القهوة والشاي وأي نوع من
الشروبات في الوزارة أو مديرياتها في المحافظات, وأوعزت بمصادرة كل
سخانات الكهرباء وأباريق الشاي وأواني القهوة, واصدرت في اليوم
التالي قرارا بمنع الزيارات الخاصة وكل من يضبط ولديه زائر خاص يعقب
اشد العقوبات, في اليوم الثالث اصدرت قرارا برفع دفتر التوقيع في
الساعة الثامنة إلا خمس دقائق و لا يفتح ثانية ألا في الثاتية و
النصف. في اليوم الرابع منعت الخروج من الوزارة ألا بإذن رسمي مني
شخصيا. وهكذا كنت أقتحم موظفي الوزارة يوميا بقرارات إدارية تكتم
الأنفاس وتضيق باستمرار كالملابس المغسولة. هذه التغييرات كانت
ضرورية ليحس الموظف بوجود سلطة أعلى منه تراقب تحركاته وتحصي أنفاسه.
أرفقت كل تلك القرارات بجولات شبه يومية مفاجئة لمكاتب الوزارة أو
أحدى مديرياتها, أتقصد أن اصيح عاليا ليسمع الجميع صوتي ملعلعا في
جنبات الوزارة. كنت أعاقب على أتفه الإسباب ولا أتوانى عن تحويل اي
موظف الى التحقيق الإداري أو حتى الجنائي أذا دعت الضرورة أو لم تدع
حتى اصبح وجودي كابوسا يخيم على الجميع. وقد أعطت هذه السياسة ثمارا؛
أنخفظت فاتورة الكهرباء الشهرية في مبنى الوازرة بنسبة ثلاثين
بالمائة و فاتورة الماء بنسبة مماثلة. ولكن طلبات الإجازة ازدادت رغم
أن الوقت ليس مناسبا للإجازات, كرهني معظم موظفي الوزارة وتحاشوا أن
ألتقي بهم وجها لوجه لأنني كنت أصرخ على كل من أواجهه بحجة تركه
لمكتبه. وعرفت فيما بعد أن موظفي الوزارة أطلقوا علي لقب "الإنكشاري".
طبعا
قمت بتغيير جميع موظفي مكتب الوزير؛ السكرتير ومدير المكتب وحتى
المستخدم والسائق. أحضرت رجلي الأمين أبو قادر واستخدمت نفوذي فقد
اصبح لدي نفوذ لكي اعين بدر السنجري معاونا للوزير، لبي طلبي فأزاد
السنجري خضوعا وإخلاصا وأزادات زوجته جمالا وألقا. كنت أزوره كثيرا
في بيته. عندما أحضر كان يتذرع باشياء كثيرة نسيها في الخارج ويرجوني
أن لا أؤاخذه لأنه سينصرف ليتركني وحدي وكان يقسم أنه سيعود سريعا
ولكنه كان يغيب ساعتين وثلاثة كانت تكفي لأجتاح جسد زوجته كما أريد.
تطور الأمر فيما بعد فعندما كنت أحضر كان ينصرف فورا دون أن يعتذر
وفي بعض الأحيان كان يختفي في أحدى غرف المنزل ولا يعود إلا بعد
أنتهاء الجولة. كان السنجري رجلا متعاونا بحق.
كنت
أحضر اجتماعات الوزارة الأسبوعية وأحرص على أن أكون ثقيلا حاضرا
اتكلم بهدوء وإيقاع منتظم ولكن حضور وزير الدفاع كان ينغص وقاري. كان
منظر هذا الرجل يثير في الضحك فقد كان يحرص على حضور اجتماعات
الوزارة بكلما قيافته "العسكرية". كان ينوء تحت اثقال عشرات الأوسمة
المعدنية التي يعلقها على صدره من الجهتين، وفي كل أجتماع يذكرنا
بانتصارات جيشنا الباسل المقدام واستعداده الدائم. كنت أحرص أن لا
أنظر الى وزير الدفاع أثناء كلامي كي لا تخونني نفسي وابدأ بالقهقهة.
وزير الخارجية كان رجلا في منتهى اللؤم ويحرص على أظهار لؤمه علنا.
كان ينادينا باسمائنا الأولى رغم عدم المعرفة السابقة ولا يتوانى عن
شتم رؤساء الدول الكبرى وأعضاء مجلس الأمن امامنا, كان وزير الخارجية
المسئول الأول عن الدبلوماسية رجلا يخلو من الدبلوماسية.
لم
يمنعني منظر وزير الدفاع المثير للضحك ولا لؤم وحقارة وزير الخارجية
من الإقتراب منهما. كنت أريد أن أوطد صداقات مفيدة من وزراء "
مشرّشون" من فصيلة الدفاع والخارجية. لم أجد صعوبة جدا في كسب ثقة
وزير الدفاع كان يكفي أن تسأله عن قصة حصوله على هذا الوسام أو ذاك
لينتحى بك جانبا ويقص عليك الحكاية منذ حرب داحس والغبراء وحتى
الساعة، ولا يتركك حتى يسمعك شعرا ونثرا ونصوصا أخرى لا تنتمي الى أي
منهما. كان وزير الدفاع من ذلك النوع المدعي بمعرفة كل شيء وكل ما
يملكه من معرفة مجموعة محفوظات لعدة عناوين براقة أو اسماء أعلام.
الطريف في هذا الرجل غير منظره أنه يتكلم في كل شيء إلا في الدفاع
الذي هو وزيره.
وزير
الخارجيه كان صورة معكوسه, شخص غير ودود لا تكاد تلمحه باسما, مقتضب
العبارة حادا تعتقد أنه أنهى كلامه ليعاود الحديث, مراوغ لا تفهم
ماذا يريد, في أحدى المرات كان يقدم تقريرا عن زيارته الى إيطاليا,
فجأة توقف وبدأ حديثا عن دراجة أبنه التي سرقت من أمام المبنى وتوجه
بالحديث الى وزير الداخليه. هذا ايضا كان ككيس ملىء بالحقارة فأجابه
بحقد: وهل تريدني أن أضع شرطي لكل دراجة من درجات أبنائك. أجابه وزير
الخارجية: لا ولكن أريدك أن تعين شرطيا لكل سارق, في أيطاليا عدد
الشرطة أكبر من عدد اللصوص ولكن عندك عدد اللصوص بعدد موظفي وزارتك.
هذا
النوع من المواجهات كان كثيرا في مجلس الوزراء وفي معظمها كان وزير
الخارجية طرفا فيها, طبعا هذا لا يعني أنه كان رجلا مستقيما لأن
الجميع يعرف أن في كل سفارة من سفاراتنا في جميع أنحاء العالم أحد
العاملين الرئيسيين ينحدر من منطقة الوزير وهو يفاخر بذلك ولا يخجل
منه بالإضافة الى أنه منذ أن اصبح وزيرا للخارجية تدهورت سمعتنا في
الخارج الى أسوأ درجة وأقتصرت علاقاتنا القوية على دولة أو اتنتين
إلى درجة أنه مر عام كامل لم يزر الدولة رئيس واحد أو وزير خارجية
واحد. وهو يفاخر بوقاحة وتحد بهذا الوضع لأنه يدلل على مدى صمودنا
وقوتنا. كان هذا المدخل الذي ولجت منه لأتقرب من وزير الخارجية فكنت
أدعمه اثناء الحوارات الوزارية واساند موقفه وأشيد بحكمته وخبرته.
تبين لي أن الرجل مجرد طاووس آخر يغريه المديح وتطربه الكلمات.
لم
أفاجىء عندما رحب بي ابو مكنى قائلا: أهلا بالإنكشاري... وأطلق ضحكته
الساخرة المستخفة. المفاجىء كان الإستهانة الشديدة بشخصية الواوي
الجديدة التي رسمتها لنفسي وكنت أظنني سأحظى أخيرا بقبول لديه بثوب
المسيطر القابض على الأشياء. لا يرضي هذا الرجل شيء على الأطلاق.
استمع بإهتمام الى تعليقاتي حول وزراء الدولة لم يشتمهم كعادته ولكنه
هز رأسة كناية عن الإمتعاض وعدم الرضا, وعندما أخبرته أن وزير
الخارجية يشتم رؤساء الدول الكبرى قال
:
-
ليك
الشخاخ ليك... وعم يضرط من طيز وسيعة... دخلك وأبو وشين "ويقصد رئيس
الوزراء" شو بيقلو؟؟!!
أجبت
:
-
أبو
وشين مطبل بالدنيا مزمر بالآخرة... يكتفي بمراقبة وزير الدفاع أثناء
وصلة وزير الخارجية فإذا كان غائبا فيراقب ردود وزير الإعلام وإذا
كان غائبا هذا الآخر يكتفي بمداعبة مسبحته القصيرة.
كانت
فرصة أبو مكنى التي لا يمكن أن يفلتها أبدا. أمسك عبارتي الأخيرة
وبدأ منولوجه المفضل:
-
يا
عيني ملا وزارة.... كس أمك على أم أبو وشين تبعك.. مقعدينو على كرسي
بتطلع قد طيز أمو حتى يلعب بالمسبحة والحقير أذن أستيراد واحد ما
بيرضى يوقع.. الشعب عم بيموت من الجوع وهو مسكر الحدود ما بيخلي
دبانه تمرق. بدي أفهم كيف عم يدير هالدولة وليش لهلق "المعلم" مطول
بالو....
أستمعت
الى وصلة أبو مكنى وقد علمت ان لديه الكثير من المشاكل مع رئيس
الوزراء فقلت له وقد تقمصت دور الوزير الحقيقي:
-
بس
بتعرفو وقف الإستيراد هاي سياسة دولة, والإعتماد على الذات شعار
مرفوع من مستويات أعلى بكتير من رئيس الوزراء.. هب أبو مكنى في وجهي
كالملسوع:
-
ولا
أنت جحش أما عم تتجحشن.. وقف الإستيراد... واعتماد على الذات شو مفكر
عندي هون إذاعة ولا الجريدة الرسمية.. فتحلي هالطاسة الي فوق كتافك
وأفهم .. هلق أنت وزير بيجوز بكرة تكون ببيت خالتك....
كانت
أول مرة يتحدث ألي أبو مكنى بمثل هذه الصراحة, أراد مني أن نكون
فريقا يهتم هو" بالتغطية" وأهتم أنا "بالتمرير". لقد ذكر المصطلحات
السابقة عينها وكأنه مدرب فريق كرة قدم. كنت أعرف أن لا خيار لدي وقد
وصلت الى هذه المرحلة وفي الواقغ لم أفكر في خيارات أخرى, وكنت
متأكدا أنه ليس لي إلا هذا الطريق الذي يفتحه أبو مكنى وكانت المرة
الأولى التي أغوص فيها في مقعدي مفكرا وفي مكتب أبو مكنى بالذات. لم
يطل التفكير كثيرا فالمرمى مفتوح و يبدو أبو مكنى مدرب كرة قدم جدير.
... / يتبع
الفصل الخامس عشر
الفصل الأول
لا
تنسوا أن ترسلوا هذه القصة إلى الأصدقاء |