|
الحـقـيبـة السـوداء
الكاتب: جـقـل
-
الفصل
13
-
"العمى
بقلبك" أيها الوزير الوغد تحدثني عن المناسبات الوطنيه وقيم ومعان
عيد الشجرة وتنهي حديثك بكلام يشبه الشعر عن السيد الرئيس القائد ثم
تنسى كل ذلك لتتذكر أمرا تافها كنتيجة مناقصة من مناقصات الوزارة.
ألتفت الى الوزير وصفعته بالرقم هو حتما سمع بالرقم من جهة ما لأنه
ولا شك له تنظيما "للموظفين الأحرار" ولا بد أن أحد مخلصيهم قد نقل
له النتيجة لذلك لم يبد ردة فعل كبيرة ولكنه تظاهر بالدهشة واستغرب
من الفرق بين الرقم في المناقصة الأولى ثم الرقم الحالي. ولكني لم
أعر الموضوع أهتماما وأكدت له ان في المناقصة الأولى خطأ ما وهذا ما
أكدته لجنة الفحص المالي الذي شكلتها. طبعا وغد كهذا له أكتاف عريضة
كأكتاف الثور لن يصدق ما اقول وهو متأكد بأن في الموضوع "أن"
وأخواتها. هز رأسه بلا معنى وقال الآن ليس وقته دعنا نبيض وجهنا أمام
السيد الرئيس وليأت أحتفالنا كما يليق "بالشجرة". وافقته وأنطلقت
الى" أشرف" مهمة يتكلف بها معاون وزير جديد, مهمة تنظيم حفل جماهيري
يحضرة السيد الرئيس شخصيا.
تألفت اللجنة من مجموعة من المديرين في الوزارة حرصت
على أن يكون مدير المشتل المركزي أحدهم ليشعر بمدى أقترابه مني
ولأكسب صوتا مضمونا إذا حدث اقتراع ما ضمن أعمال اللجنة. وقد كان عند
حسن ظني فقد كان يهز رأسه موافقا عند كل عطسة اعطسها. أنضم ألى
اللجنة مندوب من وزارة التخطيط وآخر من الداخلية وثالث من رئاسة
الجمهورية ورابع من جهة لا أعرفها وكان عضوا في منتهى الطرافة. ذو
ملامح طينية وبذلة بأكمام طويلة تصل الى منتصف كفه وربطة عنق محلولة
قليلا رغم أن ياقة القميص كانت واسعة حول رقبة دقيقة كأنها عود قصب
تتوسطها حنجرة شديدة البروز لا تتوقف عن الاهتزاز بحركة مكوكية طلوعا
ونزولا , من يرى هذا العضو سيتعجب كيف تتحمل هذه الرقبة التي تشبه
الخيط لشدة نحولها ذلك الرأس الكبير الذي يشبه الى حد بعيد رأس ابو
مكنى. أما عيناه فشبه مطموسة تكتسيان بنظرة لزجة بلا أي معنى. كان
يجلس متجهما وكأنه يحمل هموم الدنيا, جذعه منتصب دائما وشفتيه
متلاصقتان وحنجرته لا تتوقف ابدا دائمة صعودا وهبوطا. صمت هذا العضو
كان قريبا من صمت التماسيح يربض كأنه قطعة من خشب لا تتحرك فيه إلا
حنجرة داخل فم مغلق كصندوق.
كان مدخل الوزارة عريضا جدا يتوسطة درج عال, فسيح
كملعب كرة سلة ليستوعب الكثير من الشخصيات الرسمية, ولا شك أن اختيار
مكان كهذا لا يخلو من "بعد نظر ورؤيا استرتيجية"، ولكن الجدال
العنيف بدأ منذ الاجتماع الأول للجنة فقد كان كل عضو يريد أن يثبت
أنه أكثر وطنية وغيرية في مثل هذا اليوم "الأغر" والأعتقاد السائد
كان أنه يمكن اثبات الوطنيه بعلو الصوت والخبط على الطاولات وكثرة
الأعتراضات. الجدال تركز حول شكل توضع الضيوف الرسميون هل سيجلسون أم
سيظلون واقفين. وفي ظل اعتراضات كثيرة كان لا بد من توجيه السؤال الى
جهات أعلى لتقرر اذا كانت الوفود ستجلس أو ستقف وجهنا سؤالنا عبر
كتاب رسمي ممهور من أعلاه بعبارة "سري للغاية" وتحتها عبارة
"الموضوع: جلوس أم وقوف". وأنتظرناالجواب. وكنا قد قررنا كلجنة ونظرا
لخطورة الأمر أن نبقى في حال انعقاد دائم حتى الإنتهاء من مراسم
الإحتفال.
الجواب جاء..."وقوفا"..... سيقف الجميع وكان هناك
تعليقا في منتهى الإقناع يقول بأن جماهير الشعب ستتحرك أمام منصة
العرض على اقدامها فلا بد لممثلي الشعب أن يكونوا وقوفا ايضا اثار
هذا التعليق الحماس والإعجاب ومط مندوب وزارة الداخلية عنقه تيها فقد
كان من مؤيدي وقوف الضيوف الرسميين أما العضو العضو التمساح اياه فلم
تتغير ملامح وجهه الطينية ولكن اضطراب جوزة حلقه أزداد فعرفت عندها
اي مشاعر وطنية يحمل هذا الرجل. بعد أن حلت مشكلة وضعية الرسميين
جاءت المشكلة التي تليها وكانت حول لون البساط الذي سيوضع تحت اقدام
الرسميين. حدث خلاف شديد بين اعضاء اللجنة وكنا في النهاية أمام
خيارين إما الأحمر وإما الأخضر والأحمر هو اللون الرسمي ولكن الأخضر
هو لون المناسبة الهامة. وكان لا بد من توجيه سؤال آخر الى الجهات
العليا. كان الرجل التمساح ذو الجوزة من يتصدى لإيصال هذه
الإستفسارات وإحضار الأجوبة. فوجهنا كتابا أكثر سرية من الأول بعنوان
"لون البساط". بعد أن عاد الجواب بأن اللون هو اللون الأحمر تتالت
الأسئلة السرية وتوالت الإجابات "الحكيمة", عن انواع الورود التي
ستزين الحاجز الأسمنتي الذي يفصل القادة عن الجماهير وعن الشعارات
التي ستطرح وعن الهتافات التي سيزعق بها ذوي الحبال الصوتية الغليظة
وعن نوعية الصور التي سيحملها المشاركون وهل هي ملونة أم أسود وأبيض
وعن.. وعن.. وجدنا أنفسنا في النهاية بأننا لجنة لصياغة الأسئلة
وتلقي الأجابات وعمل الرجل التمساح مجهودا طيبا يشكر عليه. وبعد أن
أنتهينا من الأمور التنظيمية لم يبق ألا معاينة مكان الاحتفال
لتوضيبه وفرشه وتحضير أماكن سير الجماهير ووقوف القادة.
صادفنا مشكلة عويصة جدا عندما نزلنا جميعا الى موقع
المنصة فقد كان على مدخل الوزارة شجرتان ضخمتان من اشجار الجميز
القديمة لا يعرف أحد عمرها كانت دائمة الخضرة وتؤوي آلاف العصافير.
ولكن الشجرتين كانتا تفصلان بين مكان وقوف الرئيس والمكان المخصص
لسير الجماهير. حاولنا تعديل مكان وقوف الرئيس ولكن الفكرة لم ترق
للرجل التمساح هو لم يتكلم و لكنه حرك رأسه الضخم و"رمش" بجوزة حلقه
العملاقة فتوقفنا عن خيار" تحريك الرئيس" من مكانه وأنتقلنا الى خيار
تحيرك الجماهير. ولكن الأمر كان يتطلب هدم بنايتين في الجهة المقابلة
لتسير الجماهير "بشكل سوي أمام الرئيس", بعد ان طرح هذا الخيار توجهت
العيون الى جوزة حلق العضو ذو النظرة الطينية ولكنه كان غائب هذه
المرة في سباته التمساحي، فعدنا الى خيار هدم الأبنيه. وجدنا بأننا
لا نملك الوقت الكافي لذلك. وعند وصولنا الى هذا الجدار المسدود علت
الأصوات وكثرت الإعتراضات ثم ساد الصمت من جديد وتملكتنا الحيرة
والإحباط حتى كدنا نوجه كتابا سريا جديا, ولكن الحل جاء من حيث لا
تحتسب فقد تكلم الرجل التمساح طارحا رايا في منتهى الموضوعية.. قال
بعد أن فرك عينية الطينيتين: "لماذا لا تقطعوا هاتين الشجرتين اللتين
تفصلان القائد عن الشعب". كانت كلمات تحمل الحل ولم أتمالك نفسي من
معانقته وتقبيله على وجنتيه وغمزت مدير المشتل ليفعل مثلي, كان بحق
حلا سحريا لم يفكر به أحد.
كان وزيرنا وبحكم أنه المعني مباشرة بالمناسبة يقف
الى يمين الرئيس ولكن الى الخلف قليلا ومن خلفهما اصطف رجالات الدولة
وأعضاء السلك الدبلوماسي ورجال الأعلام ورجال الأمن ورجال أخرون لم
أعرف مهماتهم. وكانت الجماهير تمر من تحت المنصة زرافات زرافات وقد
قسموا على شكل مجموعات متجانسة مهنيا فمر الأطباء وكانوا يرتدون
أزياء بيضاء ويتقلدون سماعات طبية وأيديهم مشرعة في الفضاء يصرخون
بأنهم سيذبحون الاستعمار. ثم مر المهندسون بأردية زرقاء حتى لا تكاد
تميز مهندس عن آخر, وأراد هؤلاء أن يدعسوا بكرش الإمبريالية. ثم
المحامون بأرواب سوداء وكانوا يرغبون بتصفية فلول الرجعية, ثم مر
المعلمون وكانوا يرغبون بمحي الأمية و الصهيونية, ثم مرت جماهير
النسوة و كن يرغبن "بكشف" رأس المتآمرين والخونه. ومر الجنود حاميلن
بنادق خالية من الرصاص يلوحون بها تحديا كما مر صغار الكسبة وكبار
الكتبه والأطفال واليفع والرضع...كل هذا مر من تحت المنصه بعيون
شاخصة الى الرئيس الذي لا يمل التلويح لهم بيد مرفوعة وأبتسامة حانيه
و قامة منتصبة .
حاوات أحدى المنضويات في لواء النسوة العاملات ان تشق
طريقا الى حيث يقف الرئيس ملوحة بورقة تحملها في يدها سارع رجال
كثيرون وأحاطوا بها وحاولوا جرها بيعدا عن ناظري القائد ولكنه اشار
لهم أن يدعوها فأنحنى إليها وتناول الورقة من يدها وأراد أن يدسها في
جيبه و لكن رجلا كان يقف الى جواره أخذها منه شمها ثم وضعها في جيبه
الداخلي. جرت كل هذا أمام أنظار الجميع فلم يتمالكوا أنفسهم من
التصفيق ابتهاجا بهذا التواضع الجم والأريحية الكبيرة التي ابداها
الرئيس.
كنت أقف في الصف الخلفي من المكان المخصص لمعاوني
الوزراء كانت الرؤيا شبه محجوبة والزحام شديد والتنفس يزداد صعوبة
شيء فشيئا. لعنت نفسي لأني لم أفكر باضافة مراوح هوائية تطرد روائح
العرق العطن وروائح الأنفاس الكريهة. ومما زاد الأمر صعوبة موجات
متواترة من الاندفاع فلا تعرف من يدعس على قدمك أو من يدخل كوعه في
خاصرتك. كان عيد الشجرة في ذلك العام عيدا مثيرا للقرف.
شكل المنصة والشارع الذي يواجهها كان أقرب الى كومة
من الحطام مئات اللافتات القماشية الملقاة على الرصيف ومئات أخرى من
الصور الملصوقة على شرائح خشبية ومئات أخرى من قناني الماء الفارغة.
ويمكنك أن تميز بعض فردات الأحذية هنا و هناك ولكن كان في تلك الساحة
الخالية شيئا بدا غريبا جدا أن يكون هناك, لباس نسائي داخلي بلون
أحمر محاط بقطعة من الشيفون تتدلى منه حمالات جوارب حريرية.
تلقت الوزراة ثناء من رئاسة الجمهورية على جهودها
الكبيرة في إنجاح المناسبة. وضع الوزير الثناء في إطار خشبي وعلقه في
غرفة مكتبه في الجهة المقابلة لجلوسة تماما كان يريد أن يقرأ نجاحه
على الجدار كلما رفع رأسه. هنأته طبعا فتلقى التهنئة كعادته بوجه
مقطب ولم يعزو إلي أي فضل في النجاح وبدلا من ذلك سألني هل بوشر
العمل في محطة ضخ المشتل الرئيسي؟؟!!.
كان لا بد من الإجتماع مع أبو مكنى بشكل عاجل لأن
الوزير صعد الأمور بشكل خطير فقد تقدم المقاول الذي فاز بالمناقصة في
المرة الأولى لطرحها بشكوى الى الوزير وأرفقها برفع قضية أمام
المحكمة يطعن فيها بقانونية إلغائها في المرة الأولى وأورد في معرض
شكواه للوزير الأرقام الفائزة في المرة الأولى والثانية والفرق
المهول بينهما ووجه اتهاما صريحا بالتلاعب للقائمين على الأمر في
إشارة الى شخصي دون ان يسميني, أطلعني الوزير على فحوى الشكوى وقال
لي بلهجة متهمة شاكة هيا أيها المعاون الهمام أشرح لنا كيف حدث هذا
لا أريد أن تتبهدل وزراتي من تحت رأسك. حملت تقرير الشكوى و هرعت الى
أبو مكنى.
يعجبني في أبو مكنى أعصابة الباردة. تحس بأن هذا
الرجل يغضب عندما يريد ويضحك عنما يرغب وأكاد أجزم أنه يتحكم في عدد
ضربات القلب وعدد مرات التنفس يجلس أحيانا رابضا كالتمثال والسماء
تكاد تنطبق على الأرض وأحيانا أخرى يتحول الى ضبع جريح اذا انسكب
فوق سطح مكتبة قليلا من الماء. فعندما حدثته بما حصل وقصة التقرير
ضحك وكأني ألقي عليه نكته يسمعها للمرة الأولى. وبما أنني رجل "مذوق"
فشاركته الضحك ولم أتوقف إلا عندما توقف و بحلق في وجهي وما زال يلوك
ما تبقى من ضحكته وقال:
-
ما
بتعرف يا سيادة معاون الوزير أنو الضحك بلا سبب قلة أدب.
توقفت فورا ووافقته على مقولته. تابع كلامه دون أن
يتوقف عن مضغ ضحكته:
-
ألا يوجد لديك تقرير من لجنة مالية يقول أن السعر
الأول خاطىء.
-
نعم
لدي....أجبته و توقفت لأني عرفت أنه يريد أن يتابع عرضه
-
جيد...وأنا أيضا لدي تقرير يقول أن مقاولك
المغوار الذي يوزع التهم بالفساد على الناس شخص متهرب من الضرائب
وعليه أن يدفع عدة ملايين للخزينة العامة. ورجل كهذا مكانه الطبيعي
في السجن .
أنفرجت اساريري بشدة و قد عرفت أن غريمي مجرد متهرب
من الضرائب ولن تفيده شكواه ولو رفعها الى سكرتير الأمم المتحدة
شخصيا. أردت أن أحفز ابو مكنى ضد هذا الرجل لننتهي منه الى الأبد:
-
فعلا مكان هذا الرجل السجن لأننا إن أنتظرنا أكثر
فقد يرشح نفسه لمجلس الشعب ونجاح رجل فاسد كهذا مضمون.
يبدو أن ابو مكنى قد وضع في أعتباره احتمالا كهذا،
وهو رجل أمن يريد أن يحمي الوطن من كل الغوائل التي يمكن أن تلم به
ومنها شخص مرتش ومتهرب من الضرائب يضمر في نفسه أشد العداء للوطن
بتخريبه من تحت قبة البرلمان لأنه رد علي بشكل حاسم كمن وضع حلولا
لكل شيء:
-
لا
تقلق....أذهب الى عملك وابق قريبا من وزيرك البغل لأنه يريد أن يرفس
وأريدك أن تحرص على أن ترتد رفسته الى كرشه...
.... / يتبع
الفصل الثاني عشر
الفصل الرابع عشر

لا
تنسوا أن ترسلوا هذه القصة إلى الأصدقاء |