حزيران / يونيو  2009

الآراء المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن حقائق نهائية.. لذا تتعهد الإدارة بنشر ما يردها من القراء حولها    

 

 

 

 

الحـقـيبـة السـوداء     

الكاتب: جـقـل


الفصل 12

 

حفلات الوزارات حفلات "محترمة، مهذبة " بنت عالم وناس" ليس فيها مشروبات روحية ولا ما يفقد الوعي لأن جميع الموجودين من أصحاب المناصب والمقامات الرفيعة ولا يليق أن يفقد احدهم وعيه فقد يصبح "مسخرة" مرؤسيه. وقد حضرت جانبا من هذه الحفلات عندما كنت مديرا ولكني كنت أغادر سريعا لأن الجميع كان يحظر متأبطا ذراع زوجته أو سكرتيرته ولم أجد من اللائق أن أكون برفقة رمزية أمام هذا الحشد الأنيق لذلك كنت أغادر سريعا أما ألآن وأنا أمتلك سكرتيرة من طراز لينا فيمكنني أن أدخل مرفوع الراس.

 

عصير وفواكه وقوالب "كيك" وموسيقا كلاسيكية هذا ما كان فوق الطاولات، أما حولها فكثير من الوجوة معظمها معروف, كلمات المجاملة والأبتسامات المصنوعة المزينة بالأسنان الصفراء والبيضاء والأشداق المفتوحة أو المضمومة. الوزير مع زوجته ويحيط به معاونوه ومستشاروه وزوجاتهم يتبادلون النكات ويتوقف كل شيء عندما يبدأ الوزير بالكلام ثم ينفجرون ضاحكين عندما تبدر منه ما يشبه النكته وحتى يبدو الوزير بعيدا عن جو العمل كان يتحدث عن الطقس وأنواع السيارات وبين الجملة والأخرى كان يوجه كلمة لي بأعتباري المحتفى به. ولكن الواضح أنه كان يوجه نظراته وأهتمامه الوقح الى زوجة السيد" بدر السنجري" مدير الشؤؤن القانونية وربما كان محقا فهي سيدة خارقة الجمال والحضور، متألقة، باسمة وزاد من ألقها دمامة زوجها، قصير نحيف جدا وظهر محني وتفاني في فهم وخدمة القانون. الملفت للنظر أن السيدة زوجة مدير الشوؤن القانونية، "وكما لاحظت" أو كما لاحظ الجميع، تبادل الوزير أهتماما وخاصة عنما كان زوجها ينهمك في الحديث عن القضايا التي كسبتها الوزارة وكم وفر من أموال ووقت الدولة. كان الوزير يوافقه وعيناه تخترقان صدر زوجته . لم يبدو على زوجة الوزير أي نوع من أنواع الغيرة فقد تابعت أحاديثها وتنقلاتها من شخص الى آخر دون أن تعير زوجها أهتماما ابدا، والمؤكد أنها لاحظت أهتمام زوجها بزوجة عزيز السنجري والمؤكد أكثر أن هذا الاهتمام قديم ويبدو هذا واضحا من لهفة السيدة سنجري على التقاط احاديث الوزير وتقصدها الوقوف الى جانبه وربما إلصاق صدرها بكتفه.

 

العصير كان سيء الطعم والفواكه قديمة ذابلة،  أما "الكيك" فمعظمه محروق وهذه مواصفات الحفلات الرسمية؛ "تقشف" مقصود والأكثر من ذلك أن أحدا من المدعويين لم يأكل شيئا وهذا طقس آخر من طقوس الحفلات الوزارية وذلك لأن جميع المأكولات والمشروبات ستذهب الى مستخدمي الوزارة، وهؤلاء ايضا كانوا يتلقون هذه الهدايا بشفاه مقلوبة ولا يلبثون ان يلقوا بها في الحاوية القريبة من الوزارة. ولا يبقى من آثار الحفلات الرسمية إلا تشنج في عضلات الوجه من كثرة الابتسام الفارغ أو جرح في الحلق من القهقهة على نكات الوزير المدرسية  القديمة. ولكن فائدة الحفلات الكبيرة تجعلك تعرف من على علاقة بمن ومن هو المدير الفلاني وكيف تبدو زوجته أو سكرتيرته ومن هو الشخص الذي علاقة بها أو الذي يحاول أن يكون على علاقة بها.

 

بعد ان انتهى الوزير من احاديثة الترحيبة بي أنتحيت جانبا واخذت بيد لينا، كان همي تمضية اكبر وقف معها فقد كانت طيعة لدنة، ومذ اصبحت معاون وزير لم تقل لي "لا" نسيت هذه الكلمة حتى اذا طلبت منها أحط الأمور كانت تنفذها بنفس رضية وروح المتعاون المتفاني. ولكنها ابدا لم ترغب بالحديث عن المعاون السابق لا بخير ولا بشر!.. عندما كنت اسألها كانت تهرب من الأجابة وحتى في ساعات الانهماك الجسدي كنت اسألها هل كان المعاون السابق يفعل هذا فتشاغل فمها ولسانها في لعق اشياء متدلية هروبا من الجواب..  ولم اعرف أبدا اذا كان لها مع المعاون السابق علاقة جنسية. هذا مؤشر جيد فلن يعرف أحد شيئا عن علاقتي بها بعد أن أغادر هذا المنصب سواء الى بيتي أو الى المنصب الأعلى.

 

تابعت عملي في منصب نائب الوزير مقابلات ولقاءات مع شخصيات ومدراء  وملاحظات وتلقيحات من الوزير ثم تقارير وملاحظات الى أبو مكنى ومضاجعات مع لينا في المكتب وتحت الطاولة و حتى في الخزانة. لم انسى في هذا الخضم ان أبدل الحقيبة القديمة بحقيبة المعاون السابق والتي  كانت أنيقة بشكل غير عادي وقد ذكر لي مرة أنها هدية من أحد الوفود اليابانية التي كانت تزور القطر. نقلت إليها أوراقي و اقلامي ومهماتي.

 

أحضرت لينا نتائج المناقصة العامة لتوريد وتركيب وحدة ضخ مياه الى المشتل المركزي وقد رفع اقتراح الى المعاون السابق بتغييرها بعد ان كثرا اعطالها وتوقفت تقريبا عن العمل فاصدر أوامره بطرحها للتناقص.  لم يهنأ المسكين ولم يتوقع أنني من ستقع عينه على النتائج ومن سيقرر الأمر كله. وها هي النتائج امامي تفرست في اسم الشركة الفائزة وضعت تحته خطا ثم فتحت حقيبتي السوداء.

كان الرقم الذي طرحته الشركة الفائزة صغيرا جدا أو "هكذا قدرت" وقد "أستحمرت" في سري هذا النوع من المقاولين الذين يخفضون الأسعار بشكل كبير فتتأثر نوعية الخدمات المقدمة فطلبت من لينا اصدار أمر أداري بتشكيل لجنة فنية لتحضير دراسة مالية للمقارنة مع نتائج هذه المناقصة. الرقم كان بالفعل صغيرا ويجب أن يكون أكبر من ذلك بكثير، ولذلك لم استعجل بتصديقها كما  لا بد ان تمر من تحت يدي صديقي أبو مكنى والا سيزعل. فأنا لن أكون قادرا على العيش وهناك احتمال أن يزعل أبو مكنى. هو حتى الآن لم يزعل وبنفس الوقت لم يكن ودودا أبدا حتى بعد أن تحولت اجتماعاتنا الى شبه اسبوعية ناهيك عن الاتصالات شبه اليومية ولكنه لم يتغير ابدا كان يضحك عندما يريد فأضحك معه ويزمجر عندما يريد فأقطب حاجبي أحتراما وعندما ينعتني بصفات غير لائقه أعرف أنه مبتهج فابتسم أستحسانا "لمزاحه".  لم يعطيني أبدا  فرصة التعبير عن اشياء اريدها فهو من كان يوجه الحديث والأسئلة،  والإملاءات كانت سائدة وحاضرة في معظم ما يتفوه به.  وفوق كل ذلك لم يبدو منصب معاون الوزير الذي صرت أحتله الآن يحرك فيه أي خلجة توقير أو تقدير،  فلم يتهاون في طلب  التقارير المكتوبه بخط  بيدي، ولكني كنت اكتب فيها ما يحلو لي. كنت أكتب بشكل عام عن شؤون الوزارة وتحركات الجميع وأناقش معه شفهيا امور أخرى من قبيل مناقصه وحدة الضخ.. وهو كما تبين لي ذو امتداد أفقي عريض كلما علا منصبي كلما أزداد نشاطه عرضا... يمكن أن يكون مقاول بناء أو متعهد طرقات ويستورد السكر ومفرقعات العيد ويصدر الملبوسات والعلكة ولكنه رغم كل هذا يمسك بالأمن بيد من حديد.

 

كان احساسي في محلة في "استحمار" المقاول فقد ضحك ابو مكنى من غبائه وقد قدر بحكم" خبرته" أن سعر التكلفة يزيد عدة مرات عن هذا الرقم و"نصحني" بأعادة طرح المناقصة من جديد لكي لا تتأثر المشاتل الزراعية ونحن قريبون جدا من عيد الشجرة المجيد وهذا يوم يجب أن يظهر فيه الوجه الأخضر للبلد وحثني بما في فؤادي من حب للوطن أن اسرع في العملية. ليس هناك داع لتوصية حريص مثلي. استدعيت مدير المشتل المركزي وأطلعته على نتائج المناقصة وحدثته عن خوفي من فشل الشركة الفائزة ولكن "الحقير" دافع دفاع الأبطال عن سمعة تلك الشركة و قال أن لها باع طويل في تنفيذ المشاريع المشابهة وقد نفذت لوزارتنا بالذات عدة محطات مشابهة كما أنها حائزة على شهادات دولية في معايير الجوده والأمان أقل ما فيها "الإيزو". ضحكت من غباء هذا المدير ولم أخفي عنه استغبائي له فقد شرحت له كيف يتم الحصول على مثل هذه الشهادات كما أن لدي تقرير من اللجنة المالية التي شكلتها وهو يقول أن التكاليف ربما هي أكبر من الأرقام التي قدمتها هذه الشركة. لم ييأس مدير المشتل وبدا واضحا من أحمرار اذنيه حماسا أن له مصلحة ما في تسمية هذه الشركة. وعاد الى طرح ما لدية من حجج. فحسمت الموضوع بعد أن لبست قناع الحزم و الجدية:

 

- أعد طرح المناقصة ولا توجه دعوة لهؤلاء الأغبياء.... قال أيزو قال.

 

هز مدير المشتل" ذيله" خيبة و طأطأ رأسة وغادر سريعا....

 

بدا هذا المدير من النوع الذي يصدق كل شيء وخاصة اذا كان مصدره جهة عليا، وهنا يصعب التمييز بين النفاق والصدق ولكن المسافات بينهما تضيق اذا بدا كل منهما بذات اللبوس. مازاد "ايماني" بهذا المدير منظره القميء الذي لا يثير ريبة وكنت قد قررت أن أكون لنفسي خلية داخل الوزارة أو شيئا شبيها بحركة "للموظفين الأحرار".  لم أكن أنوي الأنقلاب لا سمح الله ولكن خلايا كهذه مفيدة توسع مدى المجسات اللاقطة وتكبر الأصوات وتطيل مدى يدك ولسانك وعنقك وربما عضوك التناسلي. الاعتماد الكلي على سائق في النهار وقواد في الليل كسائقي "أبو قادر" لا يكفي،  ولينا فتاة مرحلية لا يمكن أن تستفيد منها إلا في ساعات العطش الجنسي ولكنها للحق كانت بارعة " وتفش القهر". اتصالاتي بمدير المشتل اصبحت يومية لمتابعة أمور المناقصة وكنت أرمي كلمة من هنا وكلمة من هناك محاولا تقريب هذا المدير مني. كان حذرا في البداية ولكنه سرعان ما تهاوى بين يدي واصبحت كلماتي أوامر وكنت بدوري حذرا كي لا يكون "عميلا مزدوجا" فأنا أعرف أن تنظيمات "الموظفين الأحرار" تملأ الوزارة بل تملأ الوزارات وربما تملأ الدولة بكامل هيبتها ولا اشك بوجود عملاء مزدوجين أو أكثر من مزدوجين يعملون لعدة جهات في نفس الوقت..  لا بأس في أن يكون مدير المشتل عميلا برأسين على أن يكون راسه الرئيس لي. لذلك قررت "تسمينه" مكافئات وسيارات وابتعاث خارجي وإطلاق يده "بما يكفي" ليسد رمقه فكان تجاوبه مثاليا .

 

أذيعت المناقصة في الجريدة الرسمية وفي نشرة التلفزيون التجارية وحرصت على أن يكتب في أعلاها "إعادة طرح" ليعرف الجميع أنني أعيد طرح المناقصات حرصا على الأموال العامة. وتقدم إليها مجموعة من الشركات أسر لي أبو مكنى بأسم احداها و عندما سألته اذا كانت هذه الشركة حاصلة على شهادة "الإيزو"، قال لي باحتقار شديد "ما فيي إيزو و لا ميزو.. هلي بدو يعترض رح حط هالصرماي بطيزو"..  ويبدو أن القافية اعجبته فغاب في نوبة ضحك شديد ووجدت نفسي غارقا فيها بدوري بحكم العلاقة "العضوية" التي تجمعني بهذا الشخص الذي يدعى ابو مكنى.

 

استبعدت الشركات التي قدمت اسعارا يقل عن سعر الشركة التي سماها أبو مكنى وذلك لأسباب فنية طبعا وتقنية؛ اما لمخالفتها دفتر الشروط والمواصفات وإما لنقص في الأوراق الثبوتية.  وثبت الرقم الفائز طبعا كان يزيد بعشرين مرة عن الرقم الأول هز أعضاء اللجنة رؤوسهم وحركوا ألستنهم في افواههم ولا بد انهم ازدردوا لعابهم الذي سال عند رؤية الرقم الفائز،  ثم اخيرا تململوا في أمكنتهم فبادرتهم بصوت مرتفع جهوري أقرب الى الخطاب الوطني الملتهب: هل سمعتم المثل الأنكليزي الشهير؟؟! فرج أعضاء للجنة أفواههم عن اسنان بألوان مختلفة كناية عن الاستفهام دون أن يقوى أي منهم على فتح حلقه فقد يبّـس الرقم الفائز حبالهم الصوتية وربما نشف أقنيتهم المنوية فعاجلتهم بصوت أكثر قوه يعكس تقة الأنكليز بأمثالهم السائرة:

 

- أنا لست غنيا لأشتري اشياء رخيصة الثمن....

 

ثم توقفت مقطبا حاجبي ومنهيا جملتي بضرب قبضة يدي على الطاولة فأحدثت الضربة بلبلة اكثر مما أحدث القول الأنكليزي المأثور. جمدت اللجنة جميعا للحظة ولست ادري هنا سبب ردات فعل هذه اللجنة التي تصرفت وكأنها شخص واحد أو جوقة تقوم بعمل متشابهة وقد دربت عليه طويلا. أسترخت اللجنة وبعد ان استوعبت المثل قامت قومة رجل واحد وصافحت مندوب الشركة الفائزة متمنية له التوفيق.

 

كان الوقت مبكرا جدا و لم ارشف من فنجات قهوتي غير القليل عنما قالت لي لينا بلهفة وسرعة أن الوزير يطلبني. هززت رأسي مستفهما ولكنها قلبت شفتيها ويديها. شددت ربطة عنقي ورفعت بنطالي وتوجهت الى مكتب الوزير. كان منهمكا ومشغولا ترك كل شي عند دخولي وقام من وراء مكتبه ليجلس على  الكرسي المقابل استعظاما للأمر الذي سيطرحه،  وانحيت بجذعي باتجاهه في اشارة الى فهمي لخطورة الأمر. فرك عينية و تشاغل بتفتيش جيبوبه عن فكرة ما ثم نظر إلي نظرة جدية وقال:

 

- هل تعلم أن عيد الشجرة في الخامس من الشهر القادم.

 

قلت و لم اتخلى عن نظرتي الجدية و لهجتي المهتمة:

- طبعا أعرف و نحن نحضر للأمر..

قاطعني الوزير:

هذا العام يختلف كثيرا عن الأعوام السابقة سيكون هناك احتفالا جماهيرا وشعبيا واسعا تحضره كل قطاعات المجتمع.. وسيحضره كذلك السيد الرئيس.

حتى يعرف الوزير أنني أخذت الأمر بكل جدية فتحت فمي وأزاد انحاء جذعي تجاهه و اجبته بصوت أكثر عمقا تعبيرا عن جسامة الأمر:

ماذا!؟... سيحضر الرئيس شخصيا !... في هذا الحال ستتغير كل الخطط..

استعاد الوزير المبادرة وبدا أكثر راحة وهو يتحدث فقد أخبرني باخطر ما في الأمر:

-نعم سيتغير كل شيء..  سيتم الأحتفال على مدخل الوزارة وسيشرف الرئيس مدخلها والدرج بالوقوف لتحية الحشود. لذلك اطلب منك ان تشكل لجنة ليتم التحضير للأمر وتأمين موقع الشخصيات الرسمية... ثم غير لهجته واردف: تصور تواضع هذا القائد الكبير..  تخيل انه سيقف على درج وزارة كوزارتنا ليحيي ابناءه...يا اخي كبير.. كبير.

 

لم استطع أن اكتم دهشتي من تواضع سيادته الجم واظهرت فرحتي بأننا سنشاهده عن قرب شديد وقد نحظى بشرف مصافحته أو تقبيله.... ابتسم الوزير فرحا ووافقني قائلا إنه يوم المنى.... ثم  عاد الى لهجته الجدية وقال لي بحزم الوزراء:  هيا بسرعة أجّـل كل شيء وضعه جانبا،  وتفرغ كليا لهذا اليوم العظيم.

لم أرد ان اضيع دقيقة واحدة ووقفت أريد الخروج ولكن قبل أن أخطو.. سألني الوزير :

- بكم رست مناقصة وحدة الضخ التابعة للمشتل المركزي؟؟!!

 

 

   الفصل الحادي عشر              الفصل التالث عشر


لا تنسوا أن ترسلوا هذه القصة إلى الأصدقاء

 
 
 
 

 

عودة للأولى   


مدن محظورة   2009      modon net