حزيران / يونيو  2009

الآراء المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن حقائق نهائية.. لذا تتعهد الإدارة بنشر ما يردها من القراء حولها    

 

 

 

 

الحـقـيبـة السـوداء     

الكاتب: جـقـل


 

( 9 )

 

كان من نتائج الإنجاز السريع والمتقن لقاعة الأستقبال الوزارية أنني اصبحت ذراع الوزير الأيمن يبدأ صباحة بالأتصال بي وتكليفي بأشياء مهمة أو غير مهمة وأحيانا يتصل فقط ليقول لي أن أكون جاهزا وقد ينقضي النهار وأنا على جهوزيتي لمهمة وزارية خطيرة ولكنها لا تأتي. مما جعلني أعتقد أن عمل الوزير أو هو عمل وزيرنا تحديدا عمل ارتجالي ينقصة التخطيط والدراسة وكثيرا ما كلفني بأمر فأسارع لتنفيذه بعد أن أترك عملي في المديرية أو اخلف ورائي رمزية بصدر مفتوح ومؤخرة عارية , ولكنه في منتصف الطريق يتصل لألغائه وبنفس برودة الأعصاب. لست رجل دولة و لكن أعتقد أن قوام العمل الوزاري يجب أن يكون متماسا أكثر من اسلوب "الشوربا" الذي يعتمده هذا الوزير .

لم يغب عن ذهني أبدا معاون الوزير وتوجيهات أبو مكنى بشأنه واصبح لدي حافز شخصي لأنال من هذا الرجل فمنصبه وكرسيه وحقيبته وسكرتيرته كلها أشياء تسيل اللعاب وخصوصا بعد ان تبين أنه مجرد لص آخر لا يختلف كثيرا عن مدير الشؤؤن الهندسية الجاسوس الرخيص ولا حتى عن المدير الستاليني الذي ينتعل حذائه في رأسه قبل أن يباشر دوامه الرسمي.

طبعا أنا لست رجلا بلا ضمير ولكن الأمر عادة في النهاية والشعور الذي ينتابك بعد أن ترتكب ما كنت تعتقد أنه خطيئة سيزول بعد أن ترتكتب نفس الخطيئة مرة ثانية وستحول الشعور بالأثم الى شعور بالرضا أذا حققت أنجازا لنفسك, وحتى الخطيئة يتحول أسمها الى فضيلة وتصبح حريصا على هذا النوع من الفضائل. وليس هناك ملائكة أو شياطين فكل ما في الأمر سلوك متاح تقوم به تصيح بعده شيطانا في أعين البعض أو ملاكا في أعين البعض. المدير الستاليني الذي زحلقته كان غبيا وأحمقا والمسئول الهندسي الذي هويت به كان مختلسا وربما جاسوسا ويجب أن أشعر بالزهو لأنني كشفت هذين الأفاكين. أما الآن فقد اصبحت أكثر اصرارا على الأيقاع بهذا الحيوان الذي يفترش مركز معاون الوزير بدون وجه حق. يوقع الأوراق دون أن ينظر إليها. يتعامل مع المقاولين بوسيط, ينافق الوزير بكل وقاحة فلماذا يبقى في مكانه. ولا سيما أن هناك ردف وصدر لينا.

تبين لي بعد خبرة طبعا أن لكل واحد خطيئته الكبرى وليس هناك اي داع لتنصب الشراك وبناء على هذه النتيجة لم أحاول أن أنبش خلف معاون الوزير فقد قدرت بأنه سيسقط لوحدة وخاصة بعد أن تهاوى شريكه الذي كان يتربع على كرسي الأدارة الهندسية. فأتبعت سياسة الإمهال وليس الإهمال وأنا على يقين بأن هذا السافل لن يلبث أن يكشف عن بلاويه التي سوف تذهب به بعيدا كما ذهبت بمن قبله. كنت أقدر أن الأيقاع بمعاون وزير يحتاج قدرا أكبر من مجرد تقرير الى أبو مكنى لأن شخصية بهذا الحجم لا بد أن يكون خلفها من خلفها. وهكذا تعودت أن أقيس الأشخاص بمن خلفها فقد وجدت أن المناصب عبارة عن سلسلة طويلة من "الظهور" المتساندة من في الخلف يسند من في الأمام ولا يعني هذا أن الأستناد نهائي بل هو متحول متحرك كقيم "سين" في المعادلات الرياضية فيمكن لأي مسئول مهما كانت درجة "أستناده" أن يتحول الى شخص فاسد تكال له الأتهامات في الجرائد وفي مجلس الشعب أذا تزعزع مسنده ولا دخل لدرجة الفساد وخدمة الوطن في الموضوع لأن الأمر يتلخص بأن الجميع واجهات مسنوده تلعب الصدفة والعلاقات العامة في وصولها.

ذهبت ومعاون الوزير بتوجيهات الوزير لأستقبال الوفد الأسباني الذي جاء ليقدم منحة مالية كبيرة لأنشاء مشروع ري بالرش يغطي مساحات واسعة ويرفع كفائة الري مما يخفض من استهلاك المياه. وقد اراد الأسبان لهذا المشروع أن يكون نموذجا تبنى مشاريع مشابهة على غراره. أستنفرنا أفضل واقوى سيارات الوزارة و لبسنا أنظف البذلات وأكثر ربطات العنق ألقا وتعريقا ووقفنا صفا كطابور التلاميذ بوجوه مفتوحة الحنك بما يشبة الأبتسام. نزل الوفد وسارع مندوب العلاقات العامة لأتمام أجراءات الدخول وفتحنا قاعة الشرف في المطار ليرتاح الوفد. لغة الأشارة كانت سيدة الموقف فلا أنا ولا السيد معاون الوزير نعرف الأسبانية وفي الواقع لانعرف الإنكليزية ولا أي لغة غير العربية طبعا. ومن الواضح أن الوفد أيضا كان لا يعرف العربية ولا الأنكليزية وبدأنا حديثا عمادة الأيدي والأصابع وقد حدثهم معاون الوزير عن نهضة البلد و تطورة وايغاله في القدم وأشار لهم بيدية عن فضل العرب على العجم وعن تسامح الأسلام عندما كان سائدا في أسبانيا. لم اعرف أذا كان الأسبان يفهمون شيئا مما يشير ولكن أحداقهم كانت تتسع مع كل اشارة وحركة بيدية وكانت أفواههم تنفتح ببلاهة عندما يزداد حماسة في الحديث عن الكرم العربي. ولكني تأكدت بأنهم لم يفهموا شيئا مما قيل بعد أن تشاغل أحدهم في ربط شريط حذائه و تسوية ربطة عنقه. أنقذ الموقف أحد السائقين الذي أمضى في كوبا عامين كان يدرس خلالها الأشتراكية الدولية وهو ما زال يتذكر شيئا من اللغة الأسبانية ولا أعرف أذا كان يذكر شيئا مما درسه عن الأشتراكية الدولية. مظهر السائق لم يكن لائقا ليتولى الترجمة ولكن لم يكن هناك بديل أو خيار للتفاهم هؤلاء الأسبان.

بيت في نفسي أن أحدث الوزير بتقصير معاونه وتكاسل مديرية العلاقات العامة بتوفير مترجم للتفاهم مع الوفد فلا يجوز ترك وفد بهذا من هذا النوع الذي يقدم الدعم المالي يتكلم بلغة الأشارة ولا يجد معاون الوزير إلا يدية "ليشوبر" بها شارحا ومفسرا. وهنا أود أن أقول أنني لم اكن بحاجة لتذكير الوزير بمثالب معاونه فلا يوجد وزير يرتاح لمن يعاونه لأن معاوني الوزير تعينهم جهة أعلى وغالبا ما يكونوا مدسوسين على الوزير أو محسوبين على "فلان". لا أعرف فلان الذي يقف وراء المعاون . ولكن قد يجد أبو مكنى طريقة يصل بها إليه. 

جلس الوفد المؤلف من ثلاثة أعضاء في سيارة لوحده ورافقهم السائق "المترجم" ليحدثم عن مشاهد المدينة وأوصاه معاون الوزير أن لا يتوقف عن الكلام ليصف لهم كل ما تقع أعينهم عليه وجلست معهم ليكون الأمر رسميا. وأنطلقت بنا السيارة الى قاعة الأستقبال في الوزارة حيث من المقرر أن ينزل الضيوف.

كان المفروض أن يكون مفتاح أستراحة الضيوف الوزارية مع موظف الأمن ولكن موظف الأمن لم يكن موجودا عندما وصل موكب الزوار وأضطر معاون الوزير أن يفتح مكتبه ليجلس الضيوف لم يكن من المناسب أن يجلس الضيوف في مكتب بعد رحلة جوية استغرقت ساعات كانوا بحاجة الى الراحة و لكن موظف الأمن أختفى فجأة و بدأت عمليات البحث المضني عنه وخلال هذا الوقت كان السائق الذي يعرف بعض الأسبانية يجاهد ليشرح للأسبان سبب الجلوس في المكتب وخاصة أن العفاريت بدأت واضحة في عين المعاون حنقا على موظف الأمن الذي غادر موقعة بدون عذر. تبين أن موظف الأمن كان في المطعم المجاور يحضر عشائه وعندما سئل عن المفتاح تردد وتلعثم وأعترف أنه كان ينام في الأستراحة وأحيانا يحضر اصدقائه ويحضر بعض النساء. وفهم من حديثه أن الأستراحة الآن في وضع يرثى له من الفوضى مما أضطر المعاون للأستعانة بخادمة منزله لتقوم بعمليات التنظيف. طبعا بدأ الوفد بالتثاؤب ومد اليدين والرجلين وحتى أن أكبرهم سنا بدأ رأسة يسقط على صدره فيما يشبه نوبات النوم.

لم تكن عمليات التنظيف مرضيه فقرر معاون الوزير اصطحاب الوفد الى أحد فنادق الدرجة الأولى منعا للحرج.  وتحرك الوفد ثانية وبدأ الترجمان عملية تفسير مضنية لوضعيات التماثيل الكثيره المضاءة التي تتوسط الساحات في المدينة.  طبعا التماثيل كلها تمثل شخصا واحدا بوضعيات مختلفة. مادا يده أو مبحلقا بعينيه أو جالسا ويديه على ركبيته في وضع أقرب الى حركات اليوغا. ابدى الوفد أعجابا بدقة صناعة التماثيل وضخامة هياكلها واشكال المياه المنسابة حولها. كان معاون الوزير خلال عمليات الشرح والأيضاح يفرك كفيه وينفخ من منخريه كالتنين خوفا من ردة فعل الوزير في اليوم التالي فهو ولا شك سيغسله بكلمات بذيئة وسيلومه على التقصير الواضح..  ولا شك أنه سيذكره بالمبلغ الكبير الذي دفع لإنشاء القاعة وسيذكره بالأموال العامة والهدر الكبير الذي سيحصل كنت أستعرض المشهد وأتخيل المعاون يقف بين يدي الوزير كالتلميذ الكسول وهو يكيل له السباب والأتهامات. سأجلس سعيدا مزهوا و ستزداد مكانتي لدى الوزير لأنه عندها سيشتكي لرؤسائه من حماقة مساعده وقد تكون هذه أول الخطوات لزحلقة هذا المعاون. وربما يساعد هذا الحدث أبو مكنى في عمله.

"عمل أبو مكنى" !!..حتى هذه اللحظة لم أفكر مليا  بفعل أبو مكنى وما  هو بالظبط العمل الموكل أليه.  كل ما أعرفه أنه يستحثني للإيقاع بالمزيد من الناس. كان في البداية متحفظا ومصرا على أن أقول أشياء صحيحة تؤدي الى تهمة حقيقة ولكنه تخلى عن ذلك سريعا وأراد المزيد من الضحايا ولسبب لا أعرفه فهو  يفضلهم من أصحاب الكراسي،  ولذلك كان شديد الضغط علي لأجد أشياء ضد معاون الوزير. طبعا هذه المره لم أشك لحظة في أنه سيستخدم كل ما يملك ليضعني في منصب معاون الوزير أذا نجحت في الإيقاع به.  ويمكنني القول أنه أصبح قاب قوسين أو أدنى من الوقوع فبعد قصة مدير الشؤؤن الهندسية وفبركة الرحلات الخارجية لا بد أن نقطة سوداء سجلت في سجله،  ومهما كانت الجهة المسانده فأنها لن تسنده في حالات التجسس أو حالات الفساد الواضحة التي يعرف بها الجميع .ويجب أن أستغل موضوع الوفد هذا لأدق آخر مسمار في نعشه غير مأسوف على غباوته التي تقترب من الحمرنة.

وصل الوفد الى الفندق بعد أن تجاوزت الساعة منتصف الليل بكثير. بدا واضحا أن أعضاؤه في منتهى التعب و الأعياء بعد هذا التطواف الممل و المتعب وربما كانت شروحات السائق عن معالم العاصمة ساهمت في مزيد من الأرهاق لأنه لا شك استخدم دراسته عن الأشتراكية الدولية في الشرح وكان يسهب مستخدما الكثير من المفردات العربيه حين تخونه الأسبانية فيأتي شرحة خليطا غير واضح ولا يؤدي أي معنى ولكن الضيوف كانو مشدودين إليه بحكم المثل العربي " العين مغرفة الكلام" ويبدو أن هذا المثل قد نقله طارق بن زياد معه الى أسبانيا فيما نقل.

كان من المقرر أن يزور الوفد ثلاثة مواقع متفرقة من ريف المدينة أختارها بشكل مسبق السيد معاون الوزير وبالتالي سيختار الوفد أحداها ليقام عليه مشروع الري المنتظر وتموله بالكامل الحكومة الأسبانية وتقوم أحدى مكاتب الدراسات الأسبانية بتصميم المشروع ثم ينفذ بأيدي محلية تحت أشراف أسباني ثم يدار بالكامل محليا. المشكلة أن حيازات الأراضي صغيرة جدا ومساحة المشروع كبيرة  لذلك يجب ضم مجموعة حيازات الى بعضها البعض لتدار بشكل مشترك. طبعا هذا النوع من إدارة الأراضي لا يتوافق مع فلاحي هذه المنطقة ولا أي منطقة أخرى فنحن نتعامل مع أراضينا الزراعية كما نتعامل مع المطابخ في بيتوتنا يمنع الاقتراب منها أو مسها أو حتى المرور الى جوارها. أرسلت سائقي "القواد أبو قادر" الى اصحاب المناطق المستهدفة وقلت له أن يخبرهم أن المشروع قد ينزع الملكيات منهم لتصبح تحت إدارة الدولة وقد يطردون منها بعد أن يجبروا على بيعها.  لم أشك ابدا في دخول هذه الأفكار الساذجة في عقول فلاحينا المعتادة على نمط وحيد من الخطاب وأسلوب واحد في التفكير فهم لا يثقون بالحكومة ولا بأي موظف ينتمي إليها ويترصدون أي حركة من هذه القبيل ليكون رد فعلهم عنيفا ومؤثرا وقريبا من سلوك القطة التي أخذ منها صغارها.

وصول الوفد المتأخر أربك الخطة وتأخر موعد الزيارات يوما كاملا مما زاد حصة البهدلة التي سينالها السيد المعاون من وزيره. وهذا ما حصل فعلا. حرصت أن أكون حاضرا ففي الساعة الثامنة صباحا بالضبط كان المعاون يقف بذل و أنكسار أمام الوزير الذي كان يدور حوله كما كان محمد علي كلاي يفعل،  ويلقي عليه اقسى وأحد الكلمات فيما المعاون المسكين مستسلم وخانع  لا يردد إلا كلمة واحدة و كأنه لا يعرف غيرها:

- حاضر أستاز...

و بين كل "حاضر استاز" والتي تليها كانت زخات الكلام البذيء وحتى اتهامات التخوين تجد مفردات جديدة لتنزل كالمطارق فوق رأس المعاون. وختم الوزير معزوفته البذيئة بقوله:

- بتنط بسرعة بتاخد الجماعة وبتشوفوا كل المواقع اليوم..  بدي الوفد ياخد قرارو بكره الصبح..  اجتماع مجلس الوزراء بكره الساعة ستة مساء لازم يكون في شي للاجتماع.. مفهوم؟

كانت كلمة مفهوم كالسحر وجد فيها المعاون متنفسا وكأن نفسه عادت إليه فخرجت الكلمات من فمة سريعة ومتلاحقة و راجية بنفس الوقت:

- ما عاد تتكرر أستاز و إنشالله اليوم نبيض وجهك..

رد الوزير و كأنه تذكر أشياء اخرى يجب أن تقال فعاد الى الحدة التي بدأ فيها موشح السباب:

- الله يسود وجهك أساسا من يوم ما شفت وجهك ما شافت هالوزارة يوم منيح.. اركض لشوف ولا تجي ألا ومعك قرار الجماعة.

كنت خلال هذا الموشح أتشاغل بأوراق واقلام في طرف الغرفة، وأتصنع عدم الوجود. ويبدو أن الوزير كان يتقصد أن يبالغ في أهانة معاونه أمامي لأنه كان يلتفت ألي بطرف عينه بين الشتيمة والأخرى و كأنه يتأكد بأنني استمع جيدا وكان يعيد الشتيمة مرتين أحيانا وبصوت أعلى ليفهمني أنه يقصدها ولم تخرج منه بشكل عفوي. ولكن بصراحة فقد برهن هذا الوزير الذي يشبه المصارعين في كبر جثته أنه آفة من آفات البذاءة  وهبوط المستوى ولكنه طبعا لا يصل الى ركبة أبو مكنى الذي يستحق ميدالية أو كأسا بهذا الخصوص.

طبعا لم أرافق الوفد في طلعاته الأستكشافية وطلبت من لينا أن لا تذهب وأعطيت توجيهاتي لسائقي "أبو قادر" أن يظل بعيدا لأنني أعرف ماذا سيحدث.

.... / يتبع

 

 

   الفصل الثامن                الفصل العاشر 


لا تنسوا أن ترسلوا هذه القصة إلى الأصدقاء

 
 
 
 

 

عودة للأولى   


مدن محظورة   2009      modon net