|
الحـقـيبـة السـوداء
الكاتب: جـقـل
( 8 )
مقابلتي مع معاون الوزير في هذه
المره كانت تختلف عن سابقاتها. جلسنا في غرفة الاجتماعات بدا جديا
كما يليق ولكنه كان أكثر راحة وهو يتحدث عن المشروع الجديد. بدأ
يشرح لي كيف أن وفد الحكومة الأسبانية لم يجد مكانا لائقا في
الوزارة بانتظار السيد الوزير الذي كان في اجتماع مهم لمجلس الوزراء.
ووفود من هذا الوزن تقدم القروض والمساعدات المالية للحكومة يجب أن
يقدم لها كل التسهيلات ويجب أن تشعر بالراحة التامة اينما حلت. شرح
لي السيد المعاون أننا قد نخسر الإعانة المالية هذا العام لأن مكان
جلوس الوفد كان سيئا، وقد صرح بذلك رئيس الوفد للوزير مباشرة. طبعا
غضب الوزير غضبا شديدا وعاقب بعض الموظفين تعبيرا عن هذا الغضب
وأتخذ قرارا بتجهيز قاعة انتظار مريحة تخصص لمثل هذه الوفود تتوفر
فيها كل مستلزمان الراحة والتسلية وتزود بمطبخ وحمامات وآنسات للخدمة
والتنظيف على مدار الساعة .. إذ يجب أن لا يهدر أي فلس يمكن أن
يدخل لخزينة الدولة من المساعدات.
طبعا شرح لي السيد المعاون حرص
الوزير على خزائن الدولة كما أسهب في شرح تفصيلات الغضب الشديد الذي
أنتابه عنما أخبره الوفد بأنه لم يكن مرتاحا كما أخبرني كيف أن
الوزير سريع جدا باتخاذ مثل هذه القرارات الصائبة. وعرج السيد
المعاون على ذكر بعض الأحداث المشابهة التي تبين مدى حرص الوزير
وحكمته وبعد نظره وقراراته الصائبة.
خلال إسهابات السيد المعاون كنت
أهز رأسي موافقا وعندما كان يتحدث عن حكمة الوزير وقراراته الصائبة.
كنت أزيد معدل هزات الرأس وارسم ايتسامة رضا واندهاش من شدة الحكمة
التي يتحلى بها السيد الوزير. ولم ابخل بالتعليق الذي يقول:
- لو كان عندنا خمسة.. خمسة فقط
على شاكلة سيادته لكنا في عداد الدول المرموقه...
وافقني السيد المعاون ولكنه قلص
الرقم الى ثلاثة، فبلد صغير مثل بلدنا خمسة كثير عليه.. ثلاثة من
عينة وزيرنا يكفي لنقلنا نقلة نوعية بل قفزة مهولة للتقدم.
قرار الوزير قضى بتشكيل لجنة
برآسة المعاون أياه وعضويتي لتجهيز مثل تلك الأستراحة، وكان هناك
ملحق للقرار بأننا يمكن ان نضم من نشاء لعضوية اللجنة لتنفيذ قرار
السيد الوزير على الوجة الأكمل. لم يحدد القرار ميزانية للتنفيذ
وترك الأمر مفتوحا للجنة على أن تقدم تقريرا ماليا في نهاية عملها
وأناط بي وبالسيد المعاون توجيه الصرف النقدي. وبما أن مكآفآت مثل
هذه اللجان كبيره جدا وتوازي الخدمات التي يجب تقديمها للوطن فقد
أتفقنا انا والسيد المعاون في البداية على اعضاء اللجنة. هو أقترح
أن تضم اللجنة سكرتيرته لينا بوصفها كانت تعمل قبل أن تلتحق بالوزارة
بمحل لبيع الزهور وهي تفهم بتنسيق الأثاث والديكورات الداخلية وأقترح
ضم مدير الشؤؤن الهندسة بالوزراة، وأنا ضممت ابو قادر السائق الفطين
في مديريتي لأني قدرت أنني ساحتاجه للذهاب هنا وهناك.
دعيت اللجنة للأجتماع. مدير
الشؤؤن الهندسية لم يحضر لأنه كان موفدا خارج القطر فأقتصر الأجتماع
على المعاون ولينا السكرتيرة وابو قادر وأنا. كنا في البداية نريد
تحديد مكان القاعة المطلوبة فأحضرننا رسومات مبنى الوزارة. مبنى
الوزارة كان قديما جدا ومستأجرا ممن مالك رفع حتى الآن ثلاثة دعاوى
قضائية على الوزارة ممثلة بشخص الوزير للأخلاء بحجة قدم المبنى وبحجة
ضعف الأيجار والحجة الثالثة أنه لا يمكلك عقارا آخر وأبنه البكر
سيتزوج لذلك فهو بحاجة ماسة للمبنى لغرض سكن أبنه. طبعا الدعاوى
قديمة واعتقد أن نجل صاحب المبنى لديه الآن أربعة أبناء وربما سيزوج
احدهم قريبا وقد يرفع دعوى رابعة للسبب السابق عينه.
تجادلنا في أنسب الأمكنة هل هو
القبو حيث يحتل الأرشيف مكانا كبيرا منه، ام مستودع الأثاث في
الطبقة الأخيرة من المبنى بعد جدل بسيط وسريع قررنا أن نختار
المستودع في الطابق الأخير لنمنح فرصة للوفود بالتمتع بمنظر المدينة
من عل. هذه كانت فكرة الضرسانة لينا وبرهنت أنها بالإضافة إلى
الصدر الكبير فهي تملك كذلك عقلا كبيرا.. الصراحة كبرت في عيني
واصبحت استرق منها نظرات أكثر و ارافق النظرات بابتسامات و حركات
حواجب شوارب وتطور الموضوع خلال الجلسة فكتبت لها على احدى أوراق
الأجتماع "يقبرني الفهيم". كما توقعت فهمت. وردت عبارتي نظره خاطفة
ليس فيها معاني واضحة. ادركت بحس المدير أن علاقة ما يمكن أن تكون
بين معاون الوزير والسكرتيرة كما العلاقة بين رمزية وبيني ويبدو أن
هذا الوضع عرف وظيفي العلاقة "الما" بين المدير وسكرتيرته، لذلك عند
هذه النقطة تابعت التركيز باهتمام على الاجتماع ووافقت بحماس على
مقترحات معاون الوزير وسكرتيرته. وكنت من تحت الطاولة أرفس ابو قادر
ليكف عن التثاؤب الممل وقد اصاب الجميع بالعدوى ففردت يديها و أطلقت
لنفسها تثاؤبا كشف الكثير عن مكنونات "الصدر العميقة".
تم الأتفاق على الخطوط العريضة
لكيفة الفرش ونظرا لسرعة الموضوع أتفقنا على تلزيم المشروع لمقاول
بلا مناقصة وكلفت أنا باحضار ذلك المقاول والتنسق مع المعاون عن طريق
لينا في هذا الأمر. كانت هذه من الذ التفصيلات فهل هناك أفضل من
التنسيق مع لينا وقررت أن يكون التنسيق على أعلى المستويات واضخمها
وأكثرها استدارة نضوجا وبياضا.
أكتمل المشهد كلهة تقريبا و لم
يبقى الا وضع لمسة ابو مكنى عليه ..!!
لم يكن أبو مكنى يقيم أعتبارا أو
وزنا لأي شخصية حكومية أو رسمية لم يكن يتردد في أن يسب أو يشتم أي
مسئول حكومي من أية درجة فالجميع حمير وجحوش ولايفهمون وأفضل من فيهم
"غبي ما بيعرف الله وين حاطو".. هذه كانت تصنيفات وتوصيفات أبو مكنى
لكل الأسماء التي كنت أذكرها أمامه بما فيهم معاون الوزير نفسه. هذه
الأستهانة بالجميع خففت ما أشعر به من مهانة عندما يصفني أبو مكنى
وهو ينظر في عيني ودون أن يهتز له جفن بكلمة " يا خرا". وعندما كنت
أحدثه عن قاعة الشرف التي سنقيمها في الوزارة وعن كيفية التنفيذ،
قاطعني أبو مكنى دون أن يبدي أهتماما كبيرا بالموضوع قائلا:
- العمى بقلبن.. شو حمير مفكرين
هيك ألاعيب بتمرق.
لم أكن متأكدا من قصد ابو مكنى
بكلمة ألاعيب لأني شخصيا شعرف بأهمية مثل هذه القاعة ليشعر الضيوف
بالراحة التامة وخاصة أنهم قدموا محملين بمساعدات بالعملة الصعبة.
بلهجة قاطعة أعطاني أبو مكنى رقم
هاتف وقال لي:
أتصل بهذا الشخص أسمه "أبو معين"
وهو سيقوم بعملية "نفض" القاعة التي يرغب بها وزيركم "الأجدب".. وخود
الموضوع من قصيرو ولا تطوّل ولا تقصر معه .. خليه يشتغل على كيفو.
والأهم من هيك خلي عيونك على معاون الوزير مو عاجبني شكله.
إذا كان أبو مكنى غير معجب بشكل
أحدهم فعليه الرحيل فورا. لكن شعرت أن أبو مكنى بدأ يستخدم معي
أسلوب كلاب الصيد فهو يوجه اهتمامي صوب نقطة معينة كمن يلقي عظمة
ولكن هذه العظمة تبدو هائلة القيمة يمكن أن أنسى طريقة الأهتداء
إليها. ثم أن هذا المعاون شخص منافق يكيل المدائح للوزير بسرعة
الضوء. وهو كما يبدو متيم بسكرتيرته اللعوب ومثل هذا السلوك كاد يودي
برئيس أهم دولة في العالم فلماذا لا يودي "بشقفة" معاون وزير شكله لا
يعجب أبو مكنى؟.. وعندما قلبت الأمر وجدت أن شكله لا يعجبني أيضا.
ثم فوق كل هذا فأن سكرتيرة معاون الوزير الحسناء وقعت في نفسي بصدرها
العارم وصوت كعب حذائها الموسيقي.. وبكل الأحوال أصبحت أقرف من مجرد
رؤية وجه رمزية وحتى وجهها بات يبدو لي أشبه بؤخره مكتنزه وبقع حمراء
مبعثره في كل أرجائها.
منحنا السيد الوزير بعضا من وقته
الثمين ليطلع على سير العمل وكان السيد أبو معين مقاول أبو مكنى قد
بدأ العمل. وبصراحة كان الرجل متعاونا فأحضر عددا كبيرا من العمال
وبدأ في تنظيف المستودع القذر وبنشاط واضح أتم المهمة في ثلاثة ايام
وباشر في أعمال الديكورات والفرش. و لذلك أصريت على أن يحضر معنا
اجتماع الوزير لأن الرجل "يستاهل" أن يكون بأجتماع كهذا. التقيت
بوزيرنا كثيرا ولكن أطول المرات لم تتعدى الثواني القليلة. كان يمر
بسرعة ليختفي بسرعة البرق في الممر أو وراء باب ما فأرى كتفه أو جانب
وجهه. وقد رايته مرارا على التلفزيون في نشرات الأخبار. وفي
الاحتفالات الرسمية كان من وزراء الصف الثاني لأنه يجلس دائما الى
اليسار وفي نقطة بعيدة عن المركز مما يوحي بمكانته الوزارية. وهذه
كانت المرة الأولى التي أجلس بمواجهته وأشاهده بالطول الكامل.
بكلمة واحدة كان وزيرنا "كالبغل".
كتفاه عريضان كرباعي الأثقال، وصدره منتفخ كالمصارعين، طويل جدا
وجثته كأنها باب الوزارة العتيق الضخم. شعره أشيب بالكامل وشديد
الكثافة، وجهه شديد الأحمرار كأنه تعرض للسلخ قبل أن يصبح وزيرا.
تبدو بذلته مضحكة جدا فهي لا تناسب رجلا بهذه الضخامة وقد تناسبه
الألبسة الرياضية ولعله أذا أرتداها لبدا فيها واقعيا أكثر. أما عن
مركزه الطبيعي فيبدو مناسبا اكثر كعضو في أحدى بعثاتنا الرياضيه
الأولمبيه وليس وزريرا حكوميا.
جلس معاونه عن يمينه وجلست لينا
بصدرها العارم الى يساره دون أن تبدي ذرة أحتشام كما يليق بوزير.
جلست أنا وأبو معين و ابو قادر عضو اللجنة الآخر في الناحية المقابلة
من الطاولة وتغيب السيد مدير الشؤوون الهندسية لأنه مازال خارج القطر
بمهمة رسمية. نظر الوزير الى يمينه ورمق معاونة بنظرة أحتقار يدأب
المسئول الأول على منحها لمعاونية تأكيدا على أهميته مركزه، ثم التفت
الى اليسار حيث تجلس لينا وحول نظرة الأحتقار الى ابتسامة رضا وقال
بصوت" وزيري" : أكتبي يا لينا.
بدأ الوزير حديثه إلينا باستعراض
إنجاز حققته الوزارة فشرح لنا كيف أن أحدى أبقار مزارعنا قد حققت
المركز الأول في مسابقة الأدرار، وعرض علينا صورة البقره الفائزة
وبجانبها كأس البطولة وبرميل شفاف من الحليب. دق بعض الحاضرين على
الخشب وصلى أخرون على النبي وهم يتأملون ضرع البقره المهول. أما أنا
فقد كنت أختلس نظرة الى ضرعي لينا وأتضرع الى الله أن يقرب ما بيني
وبينهما. أخذ الوزير صورة البقره البطلة وبدأ يحدثنا عن الأخلاص في
العمل و الجد والجدية وعن الوقت والأنجاز، وأسهب في أمثله كثيره عن
كيفية خدمة الوطن. وكان بين الحين والآخر يرفع صورة البقره ويشير
الى الضرع الفائز بفخر وطني كبير. ثم تحدث عن قيمة الوفود المانحة
للمساعدات وفائدتها. ثم ختم حديثة بفوائد هذه القاعة وشبهها بضرع
البقره التي تحلب المساعدات لخدمة الوطن وبنائه. ثم اثنى على جهودنا
و شكرنا وحثنا على المزيد من الجهد.
حديث الوزير كان أقرب الى قطعة
أدبية مفرداتها منتقاة بعناية. ربما أراد أن يفهمنا أنه شخص مثقف
يعرف كيف يتحدث ولغته كانت سليمة ولكنها بلا أي فحوى فهو يتحدث عن
الأخلاص والتفاني في العمل بعبارات عامة يمكن أن تصلح لأي شيء.
ويتقصد أن يلقي جملته المهيبة وينتظر كيف سيكون وقعها علينا. وقدرت
أنه يريد أقناعنا بثقافته وعلمه أكثر من حثنا على العمل والجد ويبدو
أن عيوننا أنبأته برضانا عن خطابه.
في نهاية حديث الوزير شعرت أن أبو
مكنى محق في أوصافة الى حد بعيد وربما كانت وصلات أبو مكنى التي
يستحضر فيها أعراض الوزراء ونوابهم ويصفهم بالحمير أكثر صدقا وتعبيرا
من هذا الخطاب البلاغي الذي يشبه التبول على كومة من القطن.
حملت حقيبتي بعد أن غادر الوزير
وجذبت معي ابو معين المقاول لأتفق معه على الخطوة التالية لبناء قاعة
الشرف.
كان أبو معين مخلصا لما يقوم به
بحق, أقصد كل الأشياء بما فيها الأشياء السرية , فقد نفذ القسم
الأكبر من المقاولة باتقان شديد وصنعة جيدة و لكنه "طبعا" تجاوز
الميزانية بأكثر من 20% وهي القيمة المسموحة لتجاوز العقود. كانت
الفواتير التي يقدمها بأرقام كبيرة. ونزولا عند توجيهات السيد الوزير
بتسريع العمل ونزولا عند توجيهات أبو مكنى بعدم التطويل والتقصير مع
أبو معين، وتماشيا مع "حمرنة" معاون الوزير الذي يوقع على توقيعي
دون أي تدقيق من أي نوع، كانت تلك الفواتير تجد طريقها بسهولة الى
الحسابات. ولم يكن أبو معين بخيلا أبدا كانت حفلات الغداء اليومية
حافلة بمالذ وطاب وكان معاون الوزير يشارك فيها أحيانا بصحبة
سكرتيرته فتزداد أسباخ "الكباب" طولا وثخانة احتراما لقدومها البض.
أما الهدايا فكانت طقسا منتظما وكنت أقبلها بعد تمنع كاذب ولينا
نفسها تلقت بعض الحلي الذهبية وقد زادها الذهب توهجا و رغبة.
لم أعد أذهب الى مديريتي الا
مرتين في الأسبوع للتوقيع على البريد ووضع بصمة جديدة على مؤخرة
رمزية التي أزدادت بقعها أحمرارا من شدة الغيظ والغضب. كانت تسأل
مستنكرة عن الغياب الكثير، وقد أصبحت الكلفة مرفوعة بيننا بعد أن
زرت كل دهاليز جسدها وثناياه حتى أصبحت تناديني باسمي الأول دون
ألقاب ابدا، وقد تتصل أحيانا بي وتتحول مكالماتها الى اتهامات
غاضبة. لم أكن سعيدا بهذا الأقتراب وكنت أتهرب من لهفتها اللزجة
المنفرة بمزيد من التواجد في الوزارة لمتابعة قاعة الشرف وقد اصبحت
عندي قناعة بأن مؤخرة رمزية لا تلصح ألا للصفع بعد ان أطلعت عن كثب
على القسم الأكبر من صدر لينا اللدن المطواع. الغريب في النساء أنهن
يعتقدن أنهن يمتلكن كل من ضاجعهن.
كادت قاعة الشرف أن تنتهي
وابتسامة السيد الوزير قد أزدادت أتساعا فيزداد وجهه عرضا فيتعزز
شعوري بأن هذا الشخص لا يجب أن يكون أكثر من مصارع في المنتخب
الوطني. شعور الوزير بالراحة صاحبه أرتفاع في أرقام الفواتير وأصبح
أبو معين من زوار الحسابات الدائمين. وأزداد اغداقه علي وعلى لينا
لكن هدايا لينا باتت أكثر حميمية لأن أبو معين بدأ بأهدائها ألبسة
داخلية. شعرت بالغيره فالأمور حين تصل الى الألبسة الداخلية فقد تصل
الى ما تحتها سريعا وخاصة أن لينا كانت تقبل هذه الهدايا بصدر
"منشرح" وفم نصف مفتوح بل كانت تفتحها أمام نواظرنا و تضعها على
جسدها فتجحظ عيوننا ويتدلى لسان ابو معين رغبة و أنبهارا.
في الأجتماع الذي سبق أفتتاح
القاعة حضر السيد مدير الشؤؤن الهندسية بعد أن عاد من مهمته
الخارجية، وكان قد جال لمدة ساعتين في أرجاء القاعة يسجب الملاحظات
ويقيس الأبعاد ويلتقط الصور. وفي الأجتماع طلب كل أذونات الصرف
والفواتير ومستخلصات الدفع المحررة للمشروع لأنه، كما قال، يريد أن
يطابق بين التكلفة والتنفيذ وضرب بقبضته على الطاولة موحيا بقوة
حضوره، ثم قال أنه يشعر أن هناك فروقا كبيرة لصالح المقاول ويجب أن
نجتمع في اليوم التالي ليأخذ فرصتة في المراجعة. التقت عيني بعيني
أبو معين وتحسست الساعة الذهبية التي قدمها لي عند صرف الفاتورة
الأخيرة.
بعد أن غادر مدير الشؤؤن الهندسية
الاجتماع هرعت الى حقيبتي السوداء. فتحتها وأخرجت أوراقا وأقلاما و
بدأت بكتابة تقرير مفصل حول ما حدث لأن أبو مكنى مصر أن يعرف كل
شاردة وواردة وبشكل موثق ومكتوب. سردت كل ما كان من مضايقات مدير
الشؤؤن الهندسية وبيروقراطيته المملة واجراءاته الطويلة وتهديداته
للسيد أبو معين الرجل المتفاني في عمله بعرقلة أعماله إن لم يقدم له
"رشاوي"، وقد طلبها بكل وقاحة وصلف دون أن يقيم وزنا لمكانته
الوظيفية. كان التقرير حاسما وقاطعا وباتا لدرجة أن السيد مدير
الشؤؤن الهندسية لم يحضر الأجتماع التالي ولا اي أجتماع آخر لسبب لا
يعرفة أحد.
أنتهى العمل في القاعة الشرف
العتيدة، وأفتتحها السيد الوزير بنفسه و
حضرت الصحافة المحلية والتقطت
الصور الفوتوغرافية للصفحات الداخلية، وصور التلفزيون شريطا قصيرا
للعرض في نشرة الأخبار المحلية. كان الوزير في منتهى الأنشراح سعيدا
بالإنجاز السريع. وصافح اللجنة بحرارة بما فيها أبو معين المقاول
وتوقف قليلا وهو يشد على يدي لينا مهنئا فطوله الفارع يساعده على
التقاط نظرة "أعمق" الى صدرها، وربما شاهد ما لا تستطيع أن نشاهد
فأطال المكوث. المشكلة التي نغصت حبور هذا الافتتاح الجميل هو غياب
عضو اللجنة الهمام السيد مدير الشؤؤن الهندسية الذي لم يظهر منذ ذلك
اليوم وكأن الأرض أنشقت و ابتلعته.
عندما دخلت مكتب أبو مكنى كان
"السيد" مدير الشؤؤن الهندسية أو ما تبقى منه ملقى على الأرض كفردة
حذاء شبه عار يداه خلف ظهره وعصبة سوداء سميكة تغطي عينيه ومجموهة
كبيرة من الكدمات الحمراء والزرقاء والزهرية ومجموعة بألوان غير
واضحه تغطي جسده, شعره كان منفوشا وكأن العقارب عششت فيه.
وضع أبو مكنى أصبعه على فمه لأصمت
وأومأ برأسه لأجلس. ثم صرخ بصوت كالرعد في الكومة البشرية التي كانت
مدير شؤؤنا قانونية:
- أحكي ولك ابن الشر.... وطه
أجاب الرجل المتكوم على البلاط
بصوت جاف مخنوق:
- عن شو أحكي..سيدي
رد أبو مكنى بصوت أشد عنفا وقوه:
- أحكي من وقت ما نزلت من كـ ...
أمك لهلق.
تبين أن السيد مدير الشؤؤن
الهندسية مجرد رجل منحط وخسيس.فقد أعترف بأنه شريك لكل مقاولي
الوزارة، "عدا أبو معين طبعا زلمة أبو مكنى"، وشريك ايضا لمعاون
الوزير نفسه. وأعترف بأنه متزوج من أجنبيه وهو يلفق بمساعدة معاون
الوزير المهمات الخارجية ليلتقيها. وهو يشك أن تكون هذه الزوجة
يهودية. ولها علاقات باسرائيل لأنها تسأله أسئلة مريبة عن الوزاره و
نظامها الداخلي وعن كيفية أدارة شؤؤنها. وأعترف بأنه كان يريد تهديد
أبو معين المقاول ليمنحه نصيبه من العقد وهو بحكم خبرته في عقود
الوزارة لا يخلو عقد واحد من التلاعب والغش.
شعرت بالزهو والسرور وقد أوقعت
لتوي بجاسوس خطير يبيع اسرار الأمة للعدو. لكن ابو مكنى الذي لا
يعجبه الصيام في رجب نهرني بعد أن أخرج المعتقل خارجا لأنني تخليت عن
مراقبة معاون الوزير وأسلمت نفسي "لطيز" رمزية حسب عباراته نفسها.
وحضني بشده على متابعة أمر معاون الوزير فقد يكون هو الآخر شريكا في
التآمر على الوطن وليس ذلك ببعيد عن لحيته القذرة.
هكذا تكلم أبو مكنى.
..... / يتبع
الفصل السابع
الفصل التاسع

لا
تنسوا أن ترسلوا هذه القصة إلى الأصدقاء |