آذار / مارس  2009

الآراء المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن حقائق نهائية.. لذا تتعهد الإدارة بنشر ما يردها من القراء حولها    

 

 

 

 

الحـقـيبـة السـوداء     

الكاتب: جـقـل


 

( 7 )

 

كان هذا أول رنين للهاتف  في المكتب بعد أن  دخلته  كمدير، ولكنه جاء في أحلك وقت واسوأ ساعة.  حاولت ان اتجاهل الرد ولكن رمزية ضبضبت نفسها وقالت:

- شوف مين.. يمكن معاون الوزير...

اسرعت الى الهاتف وقد خفت ان يفوتني اتصال معاون الوزير فيظن بي الظنون.. وصلت إليه بأنفاس مقطوعة ورفعت السماعة إلى اذني وقلت ألو بصوت يشوبه اللهاث. أتاني الصوت من الطرف الثاني قاسيا وقد عرفت لكنة ابو مكنى:

- شو عم تساوي يا "خرا" ؟

يا" خرا".. احسست أن ابو مكنى كان يراني فاختار هذا التوقيت وهذا الوصف.  فهذه هي المرة الأولى التي يقول لي فيها "يا خرا" وربما خطر لي أنه سيحترمني قليلا بعد ان اصبحت مديرا.. ولكنه بهذا الوصف السيئ يبدو ان احتقاره لي قد أزداد.

اجبته ولم يفارقني اللهاث بعد:

- أهلين.. أهلين أبو مكنى...أنا هون بالمكتب..

واشرت الى رمزية ان تغادر الغرفة فلم ارد ان تستمع الى حواري مع أبو مكنى.

عاود ابو مكنى الحديث...بلهجته الحادة القاطعة:

- اسمع يا "خرا"...بتجيب معك كل أوراق المدير القديم الموجودة بالمكتب وبتجي لعندي هلق..

أغلق ابو مكنى سماعة الهاتف دون ان ينتظر مني جوابا.... فقد كان يتوقع الطاعة التامة..

مسحت أصابعي اللزجة وقد تحولت المتعة الى قرف، وسارعت الى الأدراج أحاول أن افرغ أوراقها وبحثت حولي لأجد أي شيء مهم. وجود وسلوك رمزية بالأضافة الى تلفون أبو مكنى المستعجل لم يعطيني فرصة كافية للتنقيب في هذا المكتب. أتفوووه على شرفك يا ابو مكنى على هذا التلفون في هذا الوقت. لا أعرف لماذا خطرت أم مكنى على بالي في هذه اللحظة. تمنيت أن اقبض عليها وأعريها ثم اطرحها على الكنبة المجاورة حيث كانت تستلقي رمزية قبل قليل واضاجعها بقسوة وألم نكاية بهذا الكابوس المسمى أبو مكنى. أريد ان أكون قريبا منه لأنه يده قوية يمكنها أن تنتشلني.. ولكنها أيضا لا تتوقف عن صفعي بقسوة في أي وقت و بدون سبب.

عدت الى بحثي غير الموجه هنا وهناك. كانت تقبع في زاوية الغرفة حقيبة من المخمل الأسود الأنيق. أقتربت منها ورفعتها الى أعلى وضعنها على سطح المكتب. لم تكن مقفلة وكأنها كانت بأنتظاري وكانت مليئة بأوراق المديرية والوزارة وعدة مظاريف وملفات قلبتها على عجل.. فيها مراسلات وردود وكشوف اسماء وتوقيعات وأرومات لدفاتر شيكات منتهية. قدرت أن تكون هذه الحقيبة تعود الى المدير وقد تركها على عجل بعد أن كان يظن أنه سيعود إليها في اليوم التالي ولم يخطر بباله أنه سيزور"بيت خالته" الى غير رجعة. ضممت الحقيبة السوداء الجديدة الى صدري وتركت ما عداها وأنطلقت مسرعا الى قضائي الرهيب المسمى أبو مكنى.

 

"نقعني" أبو مكنى في الغرفة المجاورة أكثر من نصف ساعة، وبعد أن دخلت لم يرفع راسة عن أوراقه. استهانته بي كانت تثير أعصابي ولا أجد لها مبررا وقد كنت متأكدا أنه يفعلها بشكل مقصود. ولم أعرف ما يريد من هذا التصرف معي. فعلت له مايريد ومن المفروض أن يكون أكثر ودية في التعامل  معي  بعد أن أصبحت مديرا الآن. يبدو أنه يريد ان يضعني تحت الضغط بشكل دائم وعلي الموافقة سواء  أعجبني ذلك أم لم يعجبني.

أخيرا رفع راسه وقال بنشافة ظهيرة تموز:

-  قعود..

جلست وأنا مقطب الوجه أريد ان افهمه أن تعاملة معي لا يعجبني.  هو موقف أريد تسجيله أو بالون أختبار اطلقة في وجهه لأعرف ردة فعله. تابع بنفس الجفاف دون أن  يبدي اهتماما  يذكر بشفاهي الممطوطة امتعاضا ولا ببالوناتي الأختبارية فقد فقعها قائلا:

-  صاحيك اعترف بكل شيء وليس هناك داع لأي أوراق أو معلومات

حملقت فيه وصحت:

- بشو اعترف..؟؟!!

ألا تعرف بشو اعترف…أعترف بكل ما كتبته عنه في تقريرك وأعترف بأشياء اخرى لا تخطر على البال,,, هذا الرجل كان خطيرا على البلد وفعلت معه ما يجب.

طالما فعلت معه ما يجب فلن احزن عليه.. أنا لم أحزن ولكنه سبب آخر لكي لا أندم. الرجل كان مختبىء بثيابه يختفي وراء نظرة ستالينية لئيمة  فليذق ما يستحق فقد يغير نظرة الذئب تلك الى تطليعة حمل خائف من سكين الجزار. وجهت بصري الى أبو مكنى وسألته:

- وهذه الحقيبة المليئة..ماذا أفعل بها:

رد بدون أكتراث كبير:

- "حطا بطي... ك"..  ثم أضاف: راجع محتوياتها و ابعث لي تقريرا مفصلا عما فيها ومبروكة عليك ... تبدو حقيبة غالية. والآن أريدك بموضوع أهم.

شددت الحقيبة الجديدة أكثر الى جسدي ومططت عنقي الى ابومكنى أريد التهام كل كلمة يقولها فقد عرفت أن ثمة مهمة جديدة… قد يكون من وراءها حقيبة جديدة ربما.

تابع أبو مكنى:

- أريدك أن تتابع نشاطك في المديرية.. يمكنك الآن أن تعرف أكثر بماأنك صرت "خرا كبير" و الأهم من ذلك أريدك أن تفتح عينيك الى أعلى.

- الى أعلى..لوين يعني..؟؟!!

- الى معاون الوزير وربما الوزير. لا يوجد أحد منزه عن الخطأ يا واوي.  نحن لانشك بأحد ولكن الحذر واجب. يجب ان تكون متواجدا.. أنظر هذا المدير، كنا نظن أنه قطة مغمضة طلع مخبى بتيابو.. بعتناه ليدرس في روسيا رجع لص كبير سرق البلد الذي علمه ودربه… يلا.. كل اسبوع بدي شوف وجهك… قوم روح هلق.

 

شددت يدي الى الحقيبة الجديدة خائفا أن تفلت مني, في المكتب وضعتها أمامي وتركت أصابعي تتحرك عليها كانها تتحرك على مؤخرة رمزيه. فتحتها وأخرجت مافيها ورقة ورقة وقرأت الأوراق كلمة كلمة... كان سلوك المدير عاديا كما هو  سلوك أي مدير في بلد كهذا..  موظفون وهميون.  أذونات سفر لمهمات مختلقة.  إنجازات غير موجودة ألا على الورق. هذا ما هو موجود في كل مكان والكل يعرف والكل ساكت..  أصبح ناموسا معترفا به وبشكل شبه رسمي أذا كنت مديرا ما فكل ماتحت يدك ملك لك.  كلنا كان يعرف هذه الحقيقة وليس هناك اي معترض حقيقي.

 

أصبحت رمزية زائرة دائمة الى مكتبي،  ولم يعد هناك داع لأي أسباب مخفية للقدوم. كانت تاتي تضع يدها مباشرة على حافة مكتبي بعد أن ترفع تنورتها وتضعها تحت ذقنها وتتركني أفعل ما أريد.  حفظت تفاصيل مؤخرتها بدقة وعرفت كم بقعة حمراء فيها.

وصار السائق أو القواد أبو قادر عيوني الساهرة في المديرية ينقل لي دبة النملة حتى أنه قدم لي السكرتيرة التي "يدير أعمالها".  وهذه كانت أكثر أحترافا من رمزية و تجيد بعض الحركات الشيقة ولكن بعد اربع أو خمس لقاءات جفت وبدات تكرر ما كانت تقوم به فصرت اقل استمتاعا بها فأستبدلها برمزية كلما أشتقت الى مؤخرة محمرة.

 

أختلقت أسباب كثيرة لأزور معاون الوزير. هؤلاء القوم لديهم حساسية شديدة من ذوي المراكز الدنيا  فكان لا يستقبلني حتى اقدم طلبا مكتوبا اشرح فيه كل شيء، وقد يكتفي بمهاتفتي وحتى في الهاتف كان لا يقول شيئا بل يتركني أتكلم ثم ينهي المكالمة بقولة منشوف. يخافون أن يقولوا كلمة واحدة..  

ولكن يجب ان أحضر شيئا اسكت به جوع أبو مكنى الذي صار اكثر ألحاحا..  هو يريد اشياء أخرى ولم يعد يكتفي بتقارير المديرية.  وبالمناسبة اصبح شريكي في تعيين الموظفين الوهميين واختلاق المهمات الوهمية وعوائد اذونات السفر الكبيرة.  كان يحول الكثير منها إليه، وكنت  اضغها في ظرف، وحتى اكون دقيقا كنت " أسرق" من وراء ظهره إذ لم اكن شريكا "نزيها"، وهو لم يكترث بمحاسبتي. عندما كنت أزوره لأعطيه  نصيبه كان يقول لي بدون أكتراث حطو عندك واطلع بره.. حتى في هذه اللحظات لم يكن أبو مكنى يعتبرني شيئا مهما..  وربما كانت تلك المبالغ أقل من أن تحرك رأسه.

عندما طلبني معاون الوزير لمكتبه قلت  في نفسي إنها فرصة لشد أواصر صداقة معه قد تسمح لي بدخول مكتبه والتعرف عليه عن قرب.. وربما كانت مدخلا "لأزحلقه" كما تزحلق من قبله. ذهبت إليه.. وكالعادة كانت سكرتيرته لينا بصدرها المفتوح الأبيض أول من شاهدته هناك...

 

جلست في غرقة لينا السكرتيرة وحدي وقد دخلت لتطلب أذنا لي بالدخول,  هذا شيء مفهوم مسئولين بهذا الحجم يجب أن تكون أوقاتهم منتظمة ومبرمجة ودقيقة لجسامة ما يقومون به. وإن حظي مسئول بهذا الحجم بسكرتيرة لها صدر بهذا الحجم فلا بد ان تكون أوقاته شدية الدقة والأنتظام. فكرت بسكرتيرتي العاهرة تعمل عندي من الصباح حتى الثانية ظهرا ترد على بعض الهواتف وتطبع بعض الرسائل. أتطاول عليها أحيانا بالقول والفعل واستخدمها في بعض الليالي بعد برمجة أمورها مع أبو قادر. الغريب أنها لا ترفض له طلبا وتنقاد أليه كالقطة وهو يعاملها بفظاظة حتى أمامي. تتحول السكرتيره في المساء الى غانية تقدم خدمات الى طالبي السياحة الجنسية من الدول العربية،  وهذه معلومة قديمة طبعا عرفت تفاصيلها فيما بعد من أبوقادر. سكرتيرتي طبعا ليست بذلك الجمال واسنانها الأمامية متباعدة أكره ابتسامتها كره العمى ومشيتها كمشية الجمل تهتز من الأعلى الى أسفل وتدبك برجلها على الأرض و كأنها تخاف أن تهرب من تحتها. ولكن هذا أفضل ما يحصل عليه مدير على شاكلتي.

رمقت الغرفة بنظرة شاملة.  خزائن الملفات مليئة و تنوء بما تحمله من أوراق, شتلات الورود والشوكيات الجميلة التي تزين النافذه.. "يا لها من مذوقة هذه الضرسانة" قلت في نفسي وأنا أستعيد صدر لينا الأبيض المرتج. وضعت حقيبتي أرضا وتفرست في الأوراق الملقاة على طاولة لينا, أوراق و قصاصات كثيرة صفراء لاصقة وملاحظات وأرقام و شاشة الحاسوب التي تومض على أشارة وندوز الشهيرة. سارعت بالوقوف على صوت لينا الموسيقي ممتثلا لكلمتها:

- تفضل..الأستاز بأنظارك..

علقت عليها نظري وأنا لا أكاد اتمالك نفسي من التحديق بالصدر المعروض باستفزاز لذيذ. نظرت إلي بمكر وهي تعرف ماذا يثير فيها عند الرجال فتبالغ بإبرازه.. وأنا بالغت بالنظر وهي بدورها  لم تبخل..  فكأننا على موعد.

 

 

 

   الفصل السادس                الفصل التالي 


لا تنسوا أن ترسلوا هذه القصة إلى الأصدقاء

 
 
 
 

 

عودة للأولى   


مدن محظورة   2009      modon net