آذار / مارس  2009

الآراء المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن حقائق نهائية.. لذا تتعهد الإدارة بنشر ما يردها من القراء حولها    

 

 

 

 

الحـقـيبـة السـوداء     

الكاتب: جـقـل


 

(4)

 

رغم أنني لم أتعرض لمضايقات أو شتائم أو تحقيقات مستفزة في ذلك المكان لكن صمته الأسمنتي الصلد بقي متصلبا في سيالتي العصبية. هذه أول مرة افكر بالصمت بهذا الشكل. كنت أحب الهدوء والسكينة ولكن الهدوء شيىء وصمت من ذلك النوع شيء آخر. صمت لا يمكنك أن تعزله عن نظرات الريبة التي يطلقها عليك سكان ذلك المكان ولا يمكنك أن تعزله عن سحناتهم الباردة الحجرية. يختلط ذلك كله بمفاهيم سمعت عنها قترتعش محاولا أقتلاع تلك الفكرة ولكنها تزداد تشبثا بك كشوك العليق.

 

أشعرني تبديل الحقائب بانقباض غريب. لم تعطيني الحقيبة الجدية نفس الثقة والحضور. كنت أتأبط حقيبتي القديمة فأحس نفسي كثيفا أملأ المكان ولكن في هذه الجديدة أتحول الى هلام أو بخار. وأنا بطبعي اتعلق بالأشياء؛ قد أحزن بشدة لفقدان احد أزرار قميصي فما بالك بحقيبة تلخص حقبة من الزمن. قلت لنفسي يا ولد "هذه حقيبة جديدة وستعتاد عليها مع الوقت " ولكن مصدرها حيث جبال الصمت كان يهزني ويعزز في نفسي شعور الأنقباض. فقد كان يخيل لي وأنا أحملها أنها ستنفتح فجأة وتبصق أبو مكنى أو حتى أسماعيل في وجهي.

 

كل من كان يمر بي كان يرمق حقيبتي بحذر. حاولت ان اتشاغل عنهم, خيل لي أن الجميع يعرف أن في هذه الحقيبة أوراق واقلام ابو مكنى, لعنته في سري ولعنت زوجته الغبية التي اوقعتني في هذه الورطة , ولكن لم يحصل لي مكروه ولم يؤذيني احد.  كل ما في الأمر ان الرجل طلب مني خدمة. ساقدمها له ويا دار ما دخلك شر. ثم أن الجميع يركض وراء علاقة من هذا النوع تفتح لك ابواب مغلقة وقد تهبط عليك ثروة, وانت لا تخالف القانون بل "تخدمه". كنت اواسي نفسي أو اقنعها..  وربما كنت  أفرض عليها هذا الأمر.

 

كان يومي الأول في مكان عملي شاقا وصعبا فقد كان عليي أن أنتهي أولا من العمل الوظيفي التافه الذي لا يستغرق أكثر من عشر دقائق ثم التفرغ الى العمل الذي أوكله ابو مكنى لي. علي أن اصيخ السمع الى كل حفيف ورقة أو جرة قلم. علي أن أكتب أحاديث الزملاء ونميماتهم وطموحاتهم ومؤامراتهم وأخبار الموضة والطبيخ والجوع الجنسي عند الزميلات. وعلي أن أركز على المدير الستاليني فقد أولاه أبو مكنى مكانة خاصة لذلك يجب أن يكون ملكا متوجا في تقريري.

 

لم أجد راحة في أي كرسي جلست عليه. كنت أستمع الى أحاديث زملائي, فأحس أن خاصرتي تؤلمني فأغير من موضعي فتؤلمني مؤخرتي.. اتزحزح قليلا مفسحا للكرسي أن يتحرك فيؤلمني ظهري. أغير الكرسي بلا فائدة وحتى عندما قررت الوقوف شعرت بألم في شديد في ساقي. لم أستطع التركيز في الأحاديث ولم ألتقط معلومة مفيدة واحدة ..  كنت مشغولا جدا بتصحيح أوضاعي.

 

قررت أن اذهب الى مراقب الدوام يجب أن أعرف من حضر ومن غاب ومن تأخر.. هذه الأشياء هامة. هكذا قدرت وقد يفرح أبو مكنى بتقرير تزينه جداول الحضور. جلست الى مراقب الدوام كان عنده المراسل يتحادثان بحماس أسرعت لألتقط شيئا كان المراسل يقول له.

- كمشوه...من عدة ايام

تدخلت فورا.....من هو الذي كمشوه...رد المستخدم بحماس:

_ ألم تعلم لقد كمشوا "داسوس" اسرائيلي في مصر....

أحسست بقبضة تهرس زلاعيمي،  فقد كان يتكلم عن الجاسوس بقرف ظاهر.  أحسست أنه يتكلم عني. هونت على نفسي فأنا لست جاسوسا فكل ما علي فعله نقل ما يحصل هنا بأمانة.  ثم أن ابو مكنى رجل أمن ومهمته حفظ النظام. قلبت شفتي بمرارة فأنا لست بهذه السذاجة لأصدق نفسي....

 

أنا أعرف نفسي بأنني لست شيطانا واعرف أنني لست ملاكا ايضا ولن أوقع بأحد زملائي ظلما.  كل ما سافعله كتابة ما يحدث" بأمانة"  ولتفعل السلطة ما تريد. هكذا قررت أن افعل و ليكن ما يكون.

 

خزنت في رأسي كل ما استطعت ألتقاطه من احاديث ومن احداث ودونت بعض الملاحظات. وأنطلقت الى منزلي. أخرجت دفتر ملاحظاتي وقلمي وجلست لأكتب اول تقرير موجه الى الأمن بما كان يدور ويحدث.

جلست بعد أن صنعت لنفسي ابريقا من الشاي.  لم يكن هناك شيئا محددا في رأسي.  كان همي تجنب نظرات أبو مكنى المدببة المؤذية،  لذلك يجب ان يكون تقريرا زلقا يمكن أن ينسل الى رأسه الضخم. دورت ذاكرتي وقلبتها كفردة الجراب مستعرضا كل ما مر بي وعدت الى دفتر مذكراتي الصغير محاولا أنعاشها قدر الأمكان. توقفت قليلا عند الأحداث المثيرة والمريبة والتي يكون ابطالها الذكور والأناث والشياطين وقدرت ان هذا النوع من الأكشن قد يحفز أبو مكنى, ويشبعه فيلطف بي.

 

أمسكت القلم وبدأت بالبسملة.. وعدت سريعا الى شطبها فلا محل للبسملة هنا وقد لا يروق ابو مكنى بسملة باي مقام. ثم استبدلت الورقة وقررت أن يكون السيد المدير والسيدة رمزية رئيسة الديوان حجرا الأساس في عملي الجاسوسي. فقد رأيت أمس السيدة رمزية تدخل الى غرفة السيد المدير وهي كثيرا ما تدخل  ولم يخطر في بالي ابدا ان دخولها المتكرر ذو خلفية ما. صعدت الى الطابق الأعلى،  وكانت سقف غرفة السيد المدير أعلى من أسقف الغرف المجاورة، وفيها شباك صغير يلاصق السقف يطل على المنور في الطابق الثاني. صعدت ركضا وتشعلقت كالبهلوان وممدت عنقي بأقصى ما أستطيع. كانت ثمة ستارة صغيرة تجلل كل شيء ولكن فرجة صغيرة تطل منها.  تطاولت إليها وألصقت راسي بشدة الى الجدار وبحلقت بأقصى ما استطيع. لم اسمع شيئا و لكني رأيت.

 

ظهر جزء من مكتب المدير فقط الجزء الأمامي.. وكان النصف الأسفل من السيدة رمزية يظهر بمحاذاته وهي تروح وتجيء ثم توقفت حركتها أمامه بالضبط واستدارت فأصبح وجهها بمواجهة المكتب. كانت ترتدي تنورة طويلة تصل الى الأرض بلون بني وخطوط طويلة لم اتبين لها لونا. حتى هذه اللحظة لم ارى المدير ولكنه أقترب فجاة من مكان لم أتوقعه كان خلفها تماما. أقترب منها حتى ألتصق بمؤخرتها ودفع نفسة تجاهها ثم تراجع الى الخلف ورفع تنورتها البنية الى الأعلى أعلى ما يمكن كانت ترتدي كيلوتا أسود توقعت أن أرى كيلوتا من نوع "الأصبع" و لكن املي خاب. زحفت يد المدير الى تحت الكيلوت من الخلف ونزلت به الى مادون الركبتين. مؤخرة رمزية مكتنزة حقا ويوجد عليها بقع حمراء صغيرة  وكدمات والسيلوليد تغطي فخذيها, طافت يد السيد المدير على مؤخرة رمزية ثم صفعها برقة, أستجاب جسد رمزية برقة للصفعة. عاود السيد المدير الى صفع مؤخرة رمزية بقوة أكبر هذه المرة وتتالت الصفعات وصلت الى حد قوي سمعت صوته يرن برفقة مجلجلة. هذه الصفعة بالذات جعلت رمزية تتحرك بعنف وقد توقعت أنها تالمت من شدة الصفعة وقررت انهاء المشهد. حاولت رفع كيلوتها و لكنه علق بكعب حذائها فجذبتة بعنف ووضعته داخل حقيبتها. وكانت أرجل المدير تتحرك ملاحقة رمزية و لكن كل شيء اختفى مع صوف صفق عنيف للباب خلف أثرا أكبر من صفع مؤخرة رمزية.

 

سارعت الى الخروج من مكمني وفوجدت نفسي وجها لوجه مع رمزية محمرة الوجه منكوشة الشعر أقتربت منها بكل براءة متسائلا:

- خير ست رمزية في شي!؟

ردت بعنف ....لأ

تابعت مؤخرتها تختفي في الردهة وأنا أتخيل كف المدير و قد طبع بشده على كفلها المكتنز.

 

قصة رائعة ستروق ابو مكنى بلاشك ولكنها غير كافية.  حسنا هناك العلاقة بين سكرتيرة المدير وابو قادر سائق الشاحنة. كانت علاقة مريبة تثير الشكوك فلا يوجد اي تكافؤ من اي نوع بين سكرتيرة ذات جمال يدلق عليك مئة علبة مكياج وبين مجرد سائق شاحنة بكرش مهول بطوق وسطه. سألت عن أبو قادر قيل لي أنه يعمل سائق سيارة أجرة بعد ساعات الدوام الرسمي بين مركز المدينة والمطار, ترابط يجعل المرء يحك رأسه مستنتجا أن علاقة فاحشة من آخر تدور هنا وليس من داع لذكر تفاصيل يمكن لأي غبي أن يقرأها فكيف بألمعي يحمل راس أبي مكنى الذي يحاكي رأس الضباع.

 

لم أعرف باي صيغة أكتب بها تقريري هل اكتبها باللغة العربية الفصحى فيزيد ذلك من أقترابي من أبو مكنى فللعربية الفصحى وقع عند هؤلاء فلقد عرفت من السيدة أم مكنى أنه والكثير من زملاءة عادوا الى الجامعات لدراسة التخصصات الأدبية كالتاريخ والفلسفة وعلوم الأجتماع، أما ابو مكنى فقد كان يدرس الحقوق. دراسة تليق برجل امن. فالحال كذلك لا بد أن الفصيح سيجعل الديك في راس أبو مكنى يصيح اعجابا فإن لم تعجبه الأحداث فقد يعجبه الأسلوب والعاطفة وقررت أن أكتب بأسلوب وجداني صريح وخاصة عن مؤخرة رمزية الربرابة.

 

وضعت في التقرير كل التفاصيل التي اعرفها..  ملابس المدير لون حذائه تنورة رمزية ولون كيلوتها وشكله..  رقم سيارة السائق وعنوان السكرتيرة وشكلها واستدارة ساقيها فقد كانت لها ساقين في منتهى الروعة من الجهة الخلفية. فهذه الأشياء لا يجب أن تفوتي وقد أعجبني ان أكون زميلا للعميل صفرين سبعة.

 

كتبت أسمي وتاريخ اليوم في نهاية التقرير الذي أحتل ثلاث صفحات كاملة، ثم وقعته وقد ابتكرت توقيعا معقدا خصيصا لهذا التقرير, ثم طويته ووضعته بأحدى مظاريف اسماعيل وأقفلته بعناية ووضعته داخل حقيبتي السوادء. أقفلتها بحرص, ودورت أرقامها السحرية ليضيع الرمز وشفطت الرشفة الأخيرة من كأس الشاي الذي اصبح باردا كالثلج.

أرجعت رأسي للوراء و مددت يدي الى الخلف وشرعت ساقي الى الأمام وتمطمطت.  أغلقت عيني, لم اشعر بندم أو اسف. وبصراحة لم اشعر بشيء. كل ماعلق بذهني من هذا التقرير مؤخرة مكتنزة ببقع حمراء.

 

 

   الفصل الثالث                الفصل الخامس 


لا تنسوا أن ترسلوا هذه القصة إلى الأصدقاء

 
 
 
 

 

عودة للأولى   


مدن محظورة   2009      modon net