آذار / مارس  2009

الآراء المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن حقائق نهائية.. لذا تتعهد الإدارة بنشر ما يردها من القراء حولها    

 

 

 

 

الحـقـيبـة السـوداء     

الكاتب: جـقـل


 

الفصل الثالث

 

كان أبو مكنى رجلا ضخما طويلا جدا, و عريضا جدا, بدون ترهل أو زيادات دهنية رأسة مهولة, كثيف الشعر, يشبه الى حد بعيد صوف الخروف, شديد السواد  والخشونه ,رجلا مخيفا بالفعل.و قد كنت أعتقد أن كباررجال المخابرات يلزمهم الذكاء وليس ضخامة الأبدان.؟؟!!

 

لم يدخل أبو مكنى الغرفة ظل واقفا بالباب محدقا بالمشهد الذي يراه بعيون مفتوحة محمرة و مبحلقة, ثم صرخ بأعلى صوته أسماعيل.... بلمح البصر دخل رجل آخر الغرفة, وبأحترام شديد خاطب أبو مكنى

-  أمرك سيدي

رد أبو مكنى دون أن يرفع بصره عني

-  جيبو

قبض أسماعيل على يدي بشدة و أنتزعني من مكاني, لم أقاوم و الأصح لم أستطيع المقاومة, فقد أحسست ببرودة في جسدي و تهالك لساني حين حاولت الكلام,ف قد كان المشهد عصيا على التفسير و قد يتطلب شرحة العودة الى الوراء عام كامل لأسترجاع زمالة الدورة التدريبية والهوية و الحقيبة السوداء, ولم أعتقد أن أبو مكنى في وضع يسمح له بالأستماع الى قصة بهذه الكآبة, فأسلمت نفسي الى أسماعيل ,الذي أقتادني الى سيارة أمام باب الوزارة وأنطلق مسرعا.

 

الصمت ...هو العنوان المناسب للمكان الذي أخذني أليه أسماعيل و لشدة سكونه تحسبة قبرا.لا شيء يصدر أصواتا هنا الأبواب تفتح و تقفل دون أية ضجة أو صرصرة أقفال الرجال يتبادلون الحديث بالأشارة حركات باليدين أو الأصابع أو العيون و يكون أكبر أمر مقضيا.عندما أدخلني أسماعيل الى غرفة فيها مكتب كبير قديم يجلس أليه رجل في منتهى الدمامة, و أمامة عدة المته. أشار له أسماعيل الى دفتر على مكتبه هز الرجل الدميم رأسه وتابع شفط المته فيما أخذني أسماعيل بعيدا الى خارج الغرفة لندخل أخرى. تركني أسماعيل في الغرفة الجديدة و خرج.

 

كانت الغرفة خالية من أي شيء جدران عارية. سقف عالي دون أية نوافذ أو مخارج للهواء أرضية نظيفة لامعة. لا تشبه هذه الغرفة الزنازين الضيقة التي سمعنا عنها , لم أسمع أصوات التعذيب والضرب التي يقال عنها كثيرا حتى أنني لم أسمع أي صوت على الأطلاق.كومت نفسي في زاوية الغرفة وقد زاد الصمت المريب من كمية الخوف التي أعترتني ورغم كبر الغرفة ونظافتها ولكني شعرت بالأنقباض منها ولم تبدو مريحة ابدا. فراغها وصمتها ونظافتها تثير أكثر من شبهة.أزداد تكوري الى نفسي وأردت أن أغيب كليا في الزاوية.

 

الصمت كان العنوان الكبير عند دخولي و لكن بعد عدة ساعات أعتدت علية و حسبت نفسي أصما و لكن غولا آخر هو البطىء بدأ يراودني عن نفسي الثواني رابضة أمامي بتحد تخرج لسانها ساخرة ولا تريد أن تنصرف. تملكتني الحيرة والقلق و لم أعرف ماذا أفعل, أتخذت وضعيات جلوس ووقوف عديدة مللتها كلها. وبدأت وساوس أكثر حدة تناوشني وتتطلب أجوبة شافية.. ماذا سيفعل بي أبو مكنى فقد يكون الآن قد ذبح زوجته وسيفتح الباب في أية لحظة ليجهز علي بنفس الساطور .كيف يشعر الذبيح هل يموت فورا لا أظن ذلك لا بد له أن يتخبط قليلا كما تفعل الدجاجة قبل أن يسلمها. لم أذبح في حياتي دجاجة فكيف ساقني القدر لأكون دجاجة.. تحسست مذبحي وطردت تلك الصورة من أمامي محاولا أستدعاء طريقة أكثر وداعة وهدوء. ولكن بدني أقشعر عندما فكرت أن أبو مكنى بدلا من ذبحي فقد يقطعني الى قطع صغيرة مبتدأ بالعضو الذي جلله بالعار.  ضممت ساقي بعنف وتكورت على نفسي أكثر عندما هاجمني ذلك المشهد.

 

مرت في رأسي كل صنوف التعذيب التي سمعت بها أو قرأت عنها من الضرب بالعصي والخراطيم المطاطية والتعليق بالسلاسل والكي بالنار الى تقليع الأظافر ونتف الشعر. والربط الى أجهزة معدنية تكسر الظهر أو تخلل المفاصل. ثم أخترعت في مخيلتي أجهزة أخرى تقلع العيون أو تثقب العظام وتخيلت  نفسي أمر عليها واحدا واحدا, وأنا أقدر كمية الألم التي يزرعة كل جهاز . لم أقو على التفكير بأي شيء آخر مسح من ذاكرتي كل ما مر في حياتي ,وبقيت معلقا الى مشاهد التعذيب العنيفة والتساؤل عن الطريقة التي سيقتلني فيها الغول المسمى أبو مكنى.

 

لم أعرف كم مضى علي من الوقت في هذه الغرفة ولكن الظلام بدأ يشتد فيها مما يعني أن الشمس قد غربت أو كادت . وفجأة فتح الباب..أخرجت نفسي من وساوسي وبحلقت لأرى من سيدخل. أطل أسماعيل وأشار ألي بأصبعه تقدمت نحوه قبض على ذراعي دون أن يقول كلمة واحدة سرت بجواره وديعا طيعا. صعد بعض الأدراج وتوقف أما أحد الأبواب الكثيرة المتشابهة. طرق الباب بأدب ثم فتحة ودفعني الى داخل الغرفة وأغلق الباب خلفي دون أن يدخل. تقدمت خطوة ورفعت رأسي كان أبو مكنى يجلس في صدر الغرقة على مكتب ضخم أنيق.

وجدت نفسي وجها لوجة مع أبو مكنى لم يبدو مكترثا بي فقد كان يتشاغل باوراق أمامه  ينظر فيها ويقلبها.اطال النظر في أوراقه وأعتقد أنه فعل ذلك قصدا ليشعرني بأهميته وتفاهتي. فتشاغلت أنا الآخر بعد أصابعي ثم تمعنت بجدران الغرفة وسجاد الأرضية. الى أن رفع أبو مكنى رأسة و نظر مباشرة في عيني دون أن يبدو عليه أي تعبير محدد بدت عيناه هذه المرة صغيرتين ونظرته مدببة مؤذية.

لم يالبث أن لعلع صوته هادرا....

- أهلا.

 

أهلا...هذه آخر كلمة كنت أتوقع سماعها من أبو مكنى خاصة و أن ترحيبه بدا حقيقيا وليس ساخرا. أزدادت حيرتي فأهلا من هذا النوع لا تليق بي كمتحرش بزوجته, وقد ظننت أنها ترحيب من قبيل ملاعبة القط للفأر قبل أن يقضي عليه بضربة مخلبية قاتلة. ولكن ما زود تشتتي أكثر عندما جائني صوته الملعلع ثانية...

- أجلس

ربما كان تلقي الصفعات والركلات من وضع الجلوس أكثر أيلاما فهذا التفسير الوحيد لدعوة أبو مكنى لي بالجلوس. لم أتحرك من مكاني كمن لم يسمع أي شيء فجائني صوت أبو مكنى أكثر اصرارا و حزما:

- قلت لك أجلس

أسرعت الى أقرب كرسي وقد لمست صيغة آمرة باتة في نبرته. جلست بتثاقل على طرف الكرسي وبحثت في ذاكرتي عن أدعية وأبتهالات طاردة للشر فلم اجد أثرا لها وتذكرت أنني لا أؤمن بها فلمت نفسي لأول مرة على خياري الخاطىء.أحضرني صوت أبو مكنى مجددا الى الواقع:

- شو بتشرب ؟

أشرب!؟... قاتلك الله يا أبو مكنى ألم تجد شيئا أسهل من السم لتجرعني اياه أو قد يسقيني حمض كلور الماء المركز الساخن... رفعت حاجبي دهشة و استغرابا وتساؤلا وهززت رأسي كمن لم يفهم ما يقال له.. أقترب أبو مكنى برأسه ناحيتي وهمس: قهوة موهيك؟... تابعت هز رأسي...صرخ ابو مكنى على أسماعيل و طلب منه أثنين قهوة سكر وسط... ثم أنتقل ألي ليقول بلهجة ودودة:

- ولك..لا تخاف ولاه...العمى بقلبك شو خروق

 

عادت إلي شيء من نفسي فأنا أعرف أسلوب الخطاب هذا فهي الغة الرسمية بين الأصدقاء المقربين في وسط كوسط أبو مكنى و قدرت أن شرا كبيرا لن يصيبني مادام أبو مكنى قد تبنى هذا الخطاب معي فقلت بصوت بملأه التردد:

- أنا مو خايف

- طيب ليش عم تهز من فوق لتحت...

لم أجد جوابا و لكنه عاد ليتابع

- شوف يا واوي أنا فهمت كل شيء ولكن اريد أن افهم شيء لم أجد له تفسيرا كيف وصلت هوية زوجتي الى حقيبتك.

وتناول حقيبتي السوادء وقد كانت أمامة على الطاولة وكانت المرة الأولى التي أرى فيها حقيبتي بعد أن تركتها في الوزارة. وقدرت كمية  الخوف والهلع و الأرتباك الذان كانا يتملكاني لتدور عيني متفحصة أجزاء ومكونات الحجرة دون أن أرى حقيبتي السوداء على سطح مكتب أبو مكنى .ويمكن لأي أعور أن يراها بسهولة.

قلت وما زالت حشرجة الخوف تطوق حنجرتي

- والله يا سيدي لا أعرف فقد أكتشفتها أول أمس و قد جئت اليوم صباحا كي....

فاطعني بحدة وقال..

- أسكوت العمى بقلبك شو مسطول ما بتعرف شو معك و شو مامعك...قلي لشوف وين بتشتغل...

قلت له أنني موظف صغير بسيط في دائرة بسيطة أجاب بلكنه أستفهامية..

- وكيفو مديركن؟؟!!

- منيح ماشي حاله

صرخ في وجهي و كأنني طفل ضغير..

- ولك أنت أكيد مسطول عم أسألك كيفو المدير معك..يعني شو وضعو..  حرامي..أمين.. و لك شبك؟؟!!

قلت و قد أحسست بأهانة من قسوته غير المبررة

- الرجال منيح كويس دغري..

 

عاود أبو مكنى الى الصراخ من جديد

- أنت يا أما أجدب يا أما عم تجدبا....و لك يا بني آدم في مدير دغري؟؟!!

 

لم أعرف بماذا أجيب فقد سمعت أن المدير يتلاعب أحيانا و لكني لست متأكدا  تماما...فأجبت:

- عملنا ذو طبيعة أدارية و ليس هناك مجال للتلاعب أو الغش .

 

تبسم أبو مكنى ساخرا أو مشفقا ثم سدد نحوي نظرته التاقبة المؤذية وقال :

- شوف ولك...هلق بتقوم بتنقلع من وشي...وبتجي لعندي الأسبوع الجايي...دبة النملة عندك بالمديرية بدي أعرف فيها....مفهوم..

صدمني طلبه و عدت كلية الى نفسي كمن دلق عليي ماء  باردا كنت أتوقع الموت ذبحا أو تقطيعا ولم أتوقع ابدا أن يدسني لأتجسس على زملائي ولم يبدو ابو مكنى أنه يترك لي خيارا فقلت مستفهما:

- دبة النملة...كيف يعني

أجاب وقد أستخدم يدية أول مرة للشرح و الأيضاح

- متل كل شي.. أذا واحد شخ بدي أعرف لون شخاخو.... ثم نادى أسماعيل.. فوجه أبو مكنى كلامة الى أسماعيل: 

- بتاخد الأخ و بتسلمو كل شي و بتفهمو...يلا شيلو من وشي..

أخذني أسماعيل الى غرفة أخرى وأعطاني أوراقا و أقفلاما وقال لي..

- يا عمي أكتب أي شي عبي ورق وبس

ثم وضع الأوراق والأقلام في حقيبة سوداء ذات جدران معدنية قاسية مغطاة بالجلد الفاخر. وفيها ثلاث عجلات صغيرة مزودة بأرقام للقفل الأحتياطي السري.

 

كانت هذه الحقيبة أفضل من حقيبتي الأصليه بكثير و لكني لم أرتح لشكلها الذي لا يناسب بأي حال شكلي.

حملت حقيبتي الجديدة و خرجت من ذلك المكان الذي يلفه الصمت و أنا أفكر بالمهمة الجديدة.

 

 

   الفصل الثاني                الفصل الرابع 


لا تنسوا أن ترسلوا هذه القصة إلى الأصدقاء

 
 
 
 

 


عودة للأولى   


مدن محظورة   2009      modon net