آذار / مارس  2009

الآراء المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن حقائق نهائية.. لذا تتعهد الإدارة بنشر ما يردها من القراء حولها    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الحـقـيبـة السـوداء     

الكاتب: جـقـل


( 1 )

 

أعمل موظفا تافها في دائرة تافهة في مديرية أكثر تفاهة في وزارة لا مدى لتفاهتها تتبع حكومة قمة في التفاهة. والتفاهة ليست تحصيلا لتفاهة هذا التسلسل، بل لأن الدولة التي تتبنى هذه الحكومة مسيرة من رجال الأمن؛ ولو أستقال جميع العاملين في الحكومة في يوم واحد لما أهتزت قصبة من قصبات تلك الدولة العتيدة.....لكفاءة رجال الأمن.

 

ولتظهر تلك الوزارة مدى أهتمامها بموظفيها فأنها أعتادت أن تقيم لهم دورات تأهيل وتدريب ورفع مستوى داخلية وخارجية. ليبقى الجميع على أهبة الأستعداد لخدمة الوطن. طبعا واوي مثلي لن يكون له أكثر من دورة داخلية بائسة لا تسمن ولا تغني عن جوع. لأن الدورات الخارجية عليها العين واليد والرجل..  فالملتحق بها يقبض بالدولار ويسافر على "الفرست كلاس" و"يندفس" في أوتيلات متعددة النجوم. وغالبا ما يعود أكثر حمرنة مما كان عليه.

قبل مدة أقامت أحدى الهيئات التابعة لجامعة الدول العربية دورة تدريبية. وهذا النوع من الدورات لا بأس بسخائة ولو أنها تقام داخليا في أحدى قاعات المدينة. تنافس و"ترافس" الجميع للحصول على ترشيح لهذه الدورة ولدهشتي الشديدة أستدعاني المدير ذلك الصباح، ومديرنا حاصل على دكتوراة من الأتحاد السوفيتي السابق ويدير المديرية بمزاج مراقب الدوام وقبضة ستالين.

 

كان المدير جالسا  خلف مكتبه وقد اتخذ وضعية القائد المقبل على حرب سينتصر فيها. زرع على وجهه عبوس جاد،  وزرع على رأسه اذني حمار وقال لي:

 

- شوف يا واوي أنا ثقتي فيك كبيري كتير ومن منطلق هذه الثقة رشحتك لهذه الدورة فلا تخيب رجائي.

الصراحة أحترت من حمرنة كهذه لأن الكل يعرف من ضمنهم مديرنا الستاليني أن ملتحقي الدورات التدريبية يذهبون في الصباح ويعودون بعد الظهر وفي نهاية الدورة يقبضون التعويض..فاي رجاء سأخيب لهذا التعس!؟

قلت له :

- ولوو أستاز...الواوي بيبيض وشك..

رد وقد احمر وجهه زهوا..

-عفارم.. هيك بدي ياك..

 

في اليوم التالي التحقت بالدورة.

 كنا أثني عشر متدربا و ثلاث متدربات احداهن حامل تبدو في شهورها الأخيرة و الثانية محجبة حجابا شديدا كأنه قماط الرضيع. والثالثة رغم ان مظهرها يبدو كعاهرة و لكنها خالية من اي جاذبية أو جمال. كان حظي في منتهى السوء فقد جلست الى جانبي السيدة الحامل.. أنزويت في مقعدي وانكمشت على نفسي وقد احسست ان تنفسي سيضايقها،  ولكن السيدة لم تمهلني..أقتربت بجسدها ناحيتي وسألتني:

- من أي وزارة.. الأستاز

الأستازطبعا هو شخصي البائس...قلت لها باقتضاب:

- من وزارة ال....

- تشرفنا...ردت.. ثم زاد أقترابها وخبا صوتها بما يشبة الهسيس..قائلة:

- دخلك... كم هو تعويض هذة الدورة ؟...قلبت شفتي كناية عن عدم معرفتي التسعيرة. ابتعدت الحامل بجسدها، فسمحت لنفسي بشفط شيء من الهواء.. ولكن السيدة لم تمهلني كثيرا فقد بدات بالتأوه والشكوى..

 

- الدكتور قال لي لازم تمشي كتير....شو بعمل.. جوزي "أبو مكَنى" مشغول.. مو فاضي وأنا ما بقدر أمشي لحالي.. بخاف يصرلي شي...

 

أزداد أنكماشي في مقعدي وهززت رأسي بلا معنى.. مما شجعها على المتابعة:

-  بس قوم على حيلي..بحس هون.." وادارت ظهرها لتؤشر باصبعها على نقطة اسفل ظهرها" هون..متل السكين عم تنغرس..

 

لم استطع تمالك نفسي عند هذه النقطة... وقلت لها:

- لأ.. السيد أبو مكَنى ما عندو حق.. لازم يمشيكي..

نظرت إلي مبحلقة.. و قالت بما يشبه الصراخ:

- مشغول ...مشغول .. ما بيقدر يفضى دقيقة واحدة..

-  وماذا يعمل أخي ابو مكَنى بلا صغرة.....سألتها بلهفة

أقتربت مني الى أبعد حد حتى شممت رائحة عرقها النتن.. وهمست:

- مخابرات....جوزي ضابط بالمخابرات...

أقشعر بدني من هول هذه الوظيفة....فأبتلعت ريقي الناشف اصلا وتحسست قذالي.. وذبت الى ابعد مدى في مقعدي..وقلت مشفقا:

- الله يعينو..على هالشغلة... وياخد بيدك..

 

دخل مشرفو الدورة؛ رجال مهذبون ببذلات رسمية أنيقة وصلعات لامعة متشابهة... أعطونا أوراقا واقلاما ودفاتر...تكفي لمدة عام..... ثم اعطوا كل متدرب حقيبة جلدية سوداء.

 

الفصل التالي    


لا تنسوا أن ترسلوا هذه القصة إلى الأصدقاء

 
 
 
 

 


عودة للأولى   


مدن محظورة   2009      modon net