الرئيسية / دين / نقابة رجال الدين وسلك المشيخوت!

نقابة رجال الدين وسلك المشيخوت!

…… / الكاتب : د .حمزة رستناوي

عقب اطلاع أحد المعارف على كتابي [ تهافت الاعجاز العددي في القرآن الكريم ] كتب إلي ساخطا: لا أريد الخوض في محتوى الكتاب علما بأنني اطلعت عليه ، ولكن أريد أن أتكلم السلوك والسياسة المتبعة في التحدث باسم الدين ونقد القرآن الكريم والسنة النبوية والدخول بطريقة فلسفية يعتبرونها منطقية ، لإقناع ذوي النفوس الضعيفة والبريئة لتشويه الدين الإسلامي وتشكيك العامة البسيطة. …وهذا أمر خطير جدا يجب الإفصاح عنه وتوعية المجتمع منه. …..وليس من حق أي شخص أن يتكلم بشأن الدين وهو أساس الأمر كله بالنسبة لنا كمسلمين، دون ان يكون له تفويض وتصريح يعني شهادة اختصاص معتمدة من قبل جهة معنية ومختصة. ..وهذا هو المنطق. فكما للطبيب والمهندس والمحامي أن يمارس مهنته بحاجة إلى شهادة تخوله العمل بموجبها. ..أيضا العالم والمتفقه في الدين يجب ان يكون معه تصريح بذلك، ولا يجوز العمل بدونه بتاتا. .ويمتاز طالب العلم الشرعي والعالم والفقيه والمفتي في العلم الشرعي بصفات قد لا تكون موجودة وغير مطلوبة منه ولكن أيضا ضرورية، وهي خلفية الشخص وانتمائه وسمعته وقبوله لدى الناس….لذلك نرى أن لا يتكلم أحد بأمور الدين وهو غير مؤهل لذلك. ..وأيضا هناك أمر أخطر أيضا وهو أن يستشهد متحدثنا – أي د. حمزة رستناوي –  بأشخاص نكرة بالنسبة لنا كمسلمين. .يستشهد بأشخاص علمانيين وشيوعيين وملحدين و يستأثر بهم وهذا غير طبيعي وغير مقبول” – / انتهى الاقتباس/                                                                             

لن أتوقّف في هذا المقال عند الطابع الشعبوي  والمُدلج لهذه الرسالة أعلاه، بل سأناقش موضوع أهل الاختصاص في الدين ، وحدود مسؤوليّة عامة الناس في تناول القضايا الدينية

(2

كثيرا يعترض محاوريَّ عند مناقشة قضايا دينية أو ذات صلة بالدين قائلين: أنتَ طبيب والعلوم الشرعية ليست من اختصاصك! هل تقبل أن يناقشك أحد في الطب وهو ليس طبيب ! هل تحفظ القرآن الكريم يا هذا ؟ كم تحفظ من الأحاديث؟ هل لديك دراية بعلم الرجال والجرح والتعديل؟ و تاريخ السيرة وأسباب النزول وعلم القراءات والتفاسير؟ هل سمعتَ بعلم أصول الفقه؟ هل أنت عالم باللغة العربية والنحو؟! الخ.                                                                  سأعرض عددا من القضايا ذات الصلة بموضوع أهل الاختصاص في العقائد الدينية، وحدود النقاش الديني ما بين العام و الخاصّ في الفقرات التالية.

(3)

لا تُصنّف المعارف الدينية – سواء أكانت في الاسلام أو غيره- كعلوم بالتعريف الدقيق للمصطلح، فمن سمات العلم مثلا : القابليّة للتجريب( المنهج التجريبي) ، القابلية للتحقق ( الوضعية المنطقية) ، القابلية للتكذيب ( كارل بوبر) ..الخ.  إنّ مرجعيّة العلم مشتركة بين البشر باختلاف الزمان والمكان واللغة وعلى اختلاف عقائدهم الدينية وغير الدينية، بينما مرجعيّة العقائد الدينية هي فئويّة تخصّ الموالين المؤمنين بها دون غيرهم ،فلا يوجد علم فيزياء اسلامي وعلم فيزياء مسيحي وعلم فيزياء الحادي ! يوجد فقط علم فيزياء. بينما ومن جهة أخرى لا يوجد عقيدة دينية واحدة للبشرية ، بل يوجد الدين لزوما بأشكال فئوية ومذاهب وطوائف تختص ببعض البشر دون بعضهم ، وهذا واقع بيّن لامجال لإنكاره .                                

مرجعيّة العلم مُلزمة لمن يقبلها ويرفضها ، مُلزمة لمن يعرفها ويجهلها، فالأرض شبه كرويّة و هي تدور حول الشمس ، كما أنّ 1+1=2 ضمن النظام العشري ..الخ فما سبق صحيح بغض النظر عن قبولنا ومعرفتنا به . بينما مرجعيّة العقائد الدينية مُلزمة فقط لمن يعرفها ويقبلها  حيث أنّ الأصل في التديّن حرّية الاعتقاد والدين هو ما يدين به المرء بينه وبين نفسه. وبناء على ما سبق ليس الدين بعلم موضوعيّ ، بل هو معرفة ذاتيّة ، ولا تستوفي المعارف الدينية شرط العلم والمنهج العلمي . وعندما يُطلق على رجل الدين صفة العالِم أو عالم الدين فهذا مجاز وليس بحقيقة، فهذا اللقب ظهر في عصور ما قبل استقرار ورسوخ العلم الحديث. و في عصرنا هذا لا تُعتبر كليات اللاهوت والشريعة أو المعاهد الدينية بمثابة  كلّيات علميّة بالتعريف الدقيق للعلم، و حتى الحاصل على درجات ماجستير أو حتى دكتوراه في اللاهوت المسيحي أو الشريعة الاسلامية  لا يُعتبر حاصل على درجة علميّة ، بل هي تقاليد خاطئة توجد في بعض الثقافات أو هي صيغ مجازيّة تقوم فيها مؤسسات التعليم الديني بتقليد المؤسسات العلميّة الأخرى كالفيزياء والهندسة والطب والجغرافيا ..الخ.

(4)

ثقافة مجتمعاتنا  متأثّرة إلى حدّ كبير بالبعد العقائدي الديني ، فما يزال  الاسلام والنص المقدّس الديني مصدرا للشرعيات الاجتماعية والسياسية في العموم، و لم تنمو ثقافة الفصل بين الحقول المختلفة للمعرفة بالشكل المطلوب، وما نزال نخلط  بين الدين والسياسة وبين الدين والعلم و بين الدين والاقتصاد و بين الدين والتعليم ، ونجد ذلك في ظواهر من قبيل : رفض العلمانية- الاسلام السياسي – الطائفية السياسية- أسلمة مناهج التعليم – البنوك الاسلامية – أسلمة العلوم و ما يُسمّى بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم وغيره كثير.                                         

إنّ الاسلام – وفق الشكل التقليدي السائد- يؤثر بشكل مباشر ولصيق على حياة الناس والمجتمعات يتدخّل في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا الانسان.  إنّ رجال الدين و المشيخوت الاسلامي والالتزام الديني بشكله الحالي  يقدّمون شكل/ فهم استبدادي قاصر للدين يمارس ازدواجية المعايير وينتهك أولويات الحياة والعدل والحرية ، حيث تشكّل هذه الأولويات مقاصدا للقيم الانسانية المُشتركة التي من المُفترض أن تشكّل مرجعيّة الاسلام أو أي عقيدة دنية أو غير دينية أخرى. الاسلام – وفق الشكل التقليدي السائد- يتحكّم في لباسك وطعامك وشرابك وحديثك ومعاملاتك و زواجك وامكانات قبولك وتقبّلك اجتماعيا وتربية أطفالك ..الخ.               

ماتزال قيمة الحرية ضعيفة الحضور في الثقافة العربية الاسلامية للأسف، و قد أصبح الاسلام – وفق الشكل التقليدي السائد – مصدرا للصراعات الاجتماعية السياسية في عالمنا العربي الاسلامي ، لقد تحوّل الاختلاف الديني في مجتمعاتنا إلى خلاف ونزاع  ، مما تسبب في صراعات طائفية سنّية شيعية وحروب أهلية باردة وساخنة و استقطاب إقليمي وترسيخ الشكل السلطاني للدولة .. كل ذلك بسبب  سيادة منطق الجوهر العنصري وثقافة التكفير والتخوين واستغلال غريزة التدين و توهّمات دولة الخلافة في  خدمة مصالح المستبدّين وأمراء الحروب والطوائف والقوى الخارجيّة الطامعة بنا. عندما نقدّم الاسلام بهذا الشكل الشمولي المؤدلج ، عندئذ لن يكون الاسلام شأنا خاصّا برجال الدين أو فئة محدودة من المجتمع ! بل ينبغي أن يكون الاسلام موضوع نقاش ثقافي واجتماعي وسياسي عام يشارك فيه المثقفين وعموم النخب  الاجتماعية ،لغرض تجاوز القصور وتطوير صلاحيات فهمنا للدين ، بحيث يكون الدين في خدمة الحياة وخير الانسان والمجتمع  وليس العكس

(5

ما تزال مؤسسات التعليم الديني في العالم الاسلامي متخلّفة عن روح العصر ومصالح المسلمين أنفسهم ، سواء أكانت معاهد التعليم الديني بالخاصة أو كليات الشريعة الاسلامية التابعة إداريا للجامعات، حيث تنعدم الرؤى التجديدية و تضعف مهارات التفكير الناقد والتفكير خارج الصندوق  ، ويسود التلقين وثقافة الحفظ والتحفيظ  وتسوير حواجز التقديس ، حيث تدرّس كتب ومذاهب اسلامية – سنّية وشيعية – قروسطية مضى عليها أكثر من ألف عام كانت بنت عصرها ،هذا ما يجعل خرجي المعاهد الشرعية وكليات الشريعة– إلا ما رحم ربّي- قليلي الموهبة والمرونة .. يشتغلون في سلك المشيخوت وحراسة العقيدة الاسلامية ( وفق تصوّر معيّن) وشتان شتّان ما بين التفكّر في الدين ، وحراسة الدين! يُلاحظ كذلك عدم وجود منهج تدريسي أو على الأقل منهجيّة موحدة في مقاربة علم العقائد الاسلامية ، حيث نجد الشيء ونقيضة بما قد يصل الى درجة التكفير المتبادل .. لنقارن مثلا ما بين التعليم الديني في الأزهر أو السعودية أو في النجف وقُم مثلا!

(6)

تحظى مرجعيّة أهل الاختصاص في العلوم بأهمّية  حياتيّة كبيرة ، فعندما يمرض أحدنا ويحتاج مثلا الى عمل جراحي ، فلا مفرّر من استشارة أهل الاختصاص في الطب مثلا و الثقة بهم .. وكذلك الكومبيوتر أو أعطال السيارات و صناعة السُّكر . أما في حقل المعارف أو العلوم الزائفة فلا يملك ” أهل الاختصاص” فيها أيّ ميزة سوى تضليل الناس والمجتمع وتعقيد البسيط ، واعاقة سريان البداهة والفطرة الانسانية المشتركة.  مثلا في قضيّة أهليّة المرأة لتولي القضاء أو رئاسة الدولة ..لا نحتاج إلى أهل الاختصاص في الدين والفقه و كل نقاشاتهم السفسطائية و خطاباتهم الطنانة الرنانة ! يستطيع عامة الناس في عصرنا الحكم في ذلك ، هناك برهان بَدَهي، وقابل للمعاينة  تجريبيا يؤكد كفاءة المرأة في تولي الحكم و القضاء وادرة الأعمال  بنجاح.                           

كذلك العلاج بما يُسمّى بالرُقية الشرعية  حيث لا تشكّل النصوص المقدّسة بغضّ النظر عن ثبوتها، برهانا وحجّة مُلزمة لعامّة الناس عبر العصور و العقائد ، بل يُحال الأمر إلى أهل الاختصاص في الطبّ و معايير الطب التجريبي.. وعلم النفس الإكلينيكي مثلا…الخ.  أمّا إذا كان النقاش محصورا بتفاصيل الطقوس والشعائر الدينية فلا مانع من احالتها إلى أهل الاختصاص في المعارف العقائدية ، لكونها أولا- قضايا قليلة الأهمية بمعايير عامة الناس ولا يُنبني عليها ما هو خطير في حياتنا، ثانيا- لكون المرجعية العقائدية الدينية تقوم على الحرية وتلزم من يواليها فقط.

(7)

ما الذي يمنع  وجود صياغات أخرى -غير السائدة الآن – للإيمان الاسلامي.. صياغات تُلزِم و تلتزم بأولويات الحياة والعدل والحرية ومعايير حقوق الانسان. المُسلم هو انسان قبل أن يكون مُسلما دونما تعارض بينهما، الانسانية والفطرة السليمة هي القاسم المشترك الأكبر بين البشر بما يشمل المسلمين ، لماذا لا نبحث عن المُشتركات الانسانية ونلاقي العالم في منتصف الطريق. لا نحتاج في ذلك إلى إلغاء البعد العربي الاسلامي في هويّتنا، وليس المطلوب من ذلك الذوبان السلبي في الآخرين ، بل تأسيسٌ جديدٌ للإيمان الاسلامي ينطلق من مقولة الوحدة في الاختلاف والاختلاف في الوحدة. المطلوب فهم جديد يحررنا – كمسلمين- من قصور مزمن نعيشه وعطالة حضارية ألِفناها و لم نعُد نتحسّس خطرها. ما الذي يمنع  تأسيس الايمان الاسلامي على أركان وأسس ومعايير جديدة تناسب حال العصر وطموح الانسان والمجتمعات التي يعيش فيها المسلمون.                                                                         نحتاج إلى خطاب دينيّ يؤكّد على الجانب الروحي والأخلاقي في الاسلام ، ويتجنب هوس التفاصيل والشكليات الطقوسيّة ، خطاب ديني يتجنّب استغلال الدين لغرض السلطة السياسية، بحيث يكون الديني عاملا ايجابيا  في وحدة الشعوب والمجتمعات والأوطان.