الرئيسية / جنس / أزمة المرأة العربية أزمة عقـل عربي

أزمة المرأة العربية أزمة عقـل عربي

…. / الكاتبة : د. منى غانم

واقع المرأة في هذه المنطقة هو ظاهرة لإشكاليات معقدة تتعلق بتركيبة العقل العربي،  لذا لا يمكن النظر إلى قضية المرأة بمعزل عن تحليل العقل العربي الجمعي ولاسيما أن المرأة والجنس يشكلان أكبر المحددات التي تربط العربي بواقعه المجتمعي.  و بالتالي تُشكل البنى التحتية للحياة الاجتماعية و الثقافية.

تشكل العقل المجتمعي العربي كان نتيجة تفاعل العقلية البدوية، وما كرسته عصور التخلف التي مرت بها دولنا في”العهد العثماني وعهود الاستعمار”, والاستقلال الذي حقـقـته جميع البلدان العربية لم يؤد إلى تطوير الذهنية العربية لأنه لم يترافق في معظم الأحوال مع انفتاح سياسي واجتماعي بل على العكس ترافق هذا الاستقلال وما تبعه من أنظمة سياسية بتشجيع النمطية الذهنية الواحدة التي تخدم أهداف تلك الأنظمة وترافق هذا كله بهجرة الأدمغة العربية المنفتحة والمبدعة إلى دول ذات فضاءات ذهنية أكثر حرية ومناخات تشجع على الإبداع .

مازال الإنسان العربي في ذهنيته يعيش في الصحراء ضمن نطاق القبيلة أو العشيرة تحكمه العصيبة القبيلية ضمن إطار “أنا و أخي على أبن عمي و أنا وابن عمي على الغريب”،  وبغض النظر عن الدور الذي تلعبه العشائرية أو الطائفية في الحياة السياسية العربية, فإن الانتماء إلى القبيلة أو العشيرة يحدد أنماطا لموقع المرأة في هذا النظام التراتبي الذكوري لا حياد عنها. الرابط ضمن القبيلة هو الدم الذي لا يكون إلا من ناحية الأب ومن هنا يأتي تفضيل زواج الأقارب من ناحية الأب كابنة العم لكونها تنتمي إلى نفس القبيلة, أما الأحفاد فهم أولاد الابن الذكر فقط أما أولاد البنت فهم من قبيلة أخرى غريبة .كما يتحدد دور المرأة في النظام القبلي بالإنجاب و بخاصة إنجاب الذكور لأنه حسب قوانين القبيلة يشكل الذكور امتداداً للقبيلة وقوة لها و حماية لشرفها أما الإناث –مهما علا شأنهن- فهن “حريم” وضمن هذه المنظومة الفكرية التي تحكم المجتمعات العربية المعاصرة تدور المرأة في أفلاك التبعية لزوجها لا في دائرة الدور الاجتماعي الذي تقوم به ومن هنا يمكن تفهم قدرة الزوج القانونية بالتحكم بزوجه “الولاية والوصاية”’ كما يمكن تفهم ظاهرة ارتفاع الخصوبة لدى النساء في العالم العربي لحاجتهن إلى إنجاب أكبر عدد من الذكور ليقوم هؤلاء بدورهم في حماية القبيلة . كما يمكن تفهم المنطق الذي يمنع منح المرأة العربية جنسيتها لأولادها الذين يعتبرون غرباء في بلد الأم لأن-بحسب هذا المنطق- الانتماء إلى الأرض مرتبط بدم الذكور لا الإناث!

 

مازال الإنسان العربي -و رغم ظهور المدنية في الدول العربية و تطور بناها التحتية – إنسانا قبليا يرى أن شرف القبيلة يتمثل في سلوك النساء الجنسي و أن أي خطأ في هذا السلوك يجلب العار على القبيلة و لابد عندئذ من محو هذا العار بقتل المرأة المذنبة . إن سلوك المرأة الجنسي لا يحدد فقط مكانتها في المجتمعات العربية المعاصرة بل يحدد إمكانية استمرار حياتها . إذ مازالت بعض القوانين العربية تسمح بالعذر المخفف أو المحل لجرائم الشرف و لا تعود المرأة هنا لا إنسانا و لا مواطنا بل شيئا تملكه الأسرة أو القبيلة و يمكن إزالته من الوجود دون أي عقاب يذكر. أما سلوك الرجل الجنسي ضمن منظومة القبيلة فيخضع لاعتبارات أخرى , إذ يرتبط هذا السلوك بمفهوم الرجولة و تشجع القبيلة الرجال على تعدد الزيجات لكونها إثبات للرجولة وتتسامح مع التجارب الجنسية للرجال . و بمعنى آخر لا تحرم القبيلة الجنس ولا تحدده لرجالها بل تحرمه على نسائها فقط لذلك نجد أن بعض قوانين الزنا في المنطقة العربية تعاقب المرأة على جريمة الزنا بعقوبة أكبر من الرجل !!!!

كما يتسم العقل العربي المجتمعي بالقداسة فمعظم المعايير التي يطبقها في الحياة و رغم مخالفتها لأصول المنطق الإنساني غير قابلة للمناقشة أو التغيير . و غالبا ما يتهم الأشخاص الذين ينتقدون هذا الفكر بالخيانة أو الإلحاد و غيرها من التهم الجاهزة في إطار نظام فكري متخلف . و في الوقت نفسه نجد أن هذا الفكر يرحب بأية أفكار متخلفة تخدم سياقه العام فالفكر الذي يرفض تجريم القاتل بجرائم الشرف يرحب بفتوى إرضاع الكبير و يشجع أنماطا مختلفة من عقود الزواج ليست في حقيقتها إلا أشكالاً مستترة للزنا.

ومجمل القول إن تغيير أوضاع النساء من منفعلات إلى فاعلات و من ضحايا إلى مواطنات و شريكات تتطلب تغيير نمط العقل العربي و الخروج به من دائرة الإتباع إلى فضاء الإبداع و هذا بحد ذاته تحد كبير يتطلب ثورة ثقافية و فكرية واسعة تنقل الإنسان العربي من مفهوم القبيلة إلى مفهوم “المواطن” و من قيود الأعراف و التقاليد إلى منظومة حقوق الإنسان , عندها فقط تصبح المرأة إنسانا ذو كرامة و يصبح لحياتها قيمة .

ولكن يبقى السؤال الكبير .. كيف يمكن الخروج من هذه الحلقة المفرغة؟؟؟

و من سيقود ثورة التغيير؟؟؟؟…!