الرئيسية / سياسة / ملك حمير السويد وسائر اسكندنافيا

ملك حمير السويد وسائر اسكندنافيا

 ….. / الكاتب : نجم الدين سمان

فلمّا عاد حمار جحا السوري من نزهته الاستانبولية؛ سأله صاحبه:

– أين هي بَردَعَتُك؟!

نهق حمارَوِيه: – بِعتُهَا في “بازار بيازيد”.

صرخ جحا السوريّ: – بِعتَهَا؟!؛ أهكذا تُفرِّطُ بتراثنا؟!

ردّ حمار جحا: – لم تكن تراثًا؛ هل نسيتَ كيفَ اشتريتَهَا من “سوق الزِرب” في حلب؛ يومَ ماتَ حافظ الوحش؟! لكني أقنعتُ البائعَ التركيّ،َ كاظم أوغلو، بأنها من عصرِ سلطان المماليك قراقوش.

سأله جحا: – وماذا فعلتَ بالفلوس؟!

ردّ حماره: – دفعتُ رعبونًا لمُهرِّبٍ في أزمير؛ وطلبتُ -عبر شركة أمازون- بَردَعَةً كوريَّةً لها نظامُ تكييفٍ: بارد/ ساخن.

قال جحا: – وباقي المبلغ؟!

ردّ الحمار: – لم تًعُد لديَّ بَردَعَةٌ لأدُسَّهُ تحتَها.

قاطعه جحا: – بَلَعتَ الدولارات؛ أكلتَ جورج واشنطن؟!

فابتسم حماره: – فتحتُ حسابًا وأخذتُ كرين كارد.

سأله جحا: – وأين بطاقتك؟!

قال حمارويه: – تحتَ لساني؛ لا تخَف؛ أوصيتُ عليها مُضادةً للماء؛ فقد يُنفِّس البَلم ونُكملها سباحةً من طروادةِ أزمير إلى بلاد الإغريق.

ضحك جحا: – وستأخذُ صورةَ سيلفي مع الحاجّة ميركل؟

فنهق حمارويه: – ومَن قالَ بأنّي سأهاجر إلى بلاد الجِرمَان؛ أنا ذاهبٌ إلى بلاد الفايكنغ؛ تنتظرني في السويد حبيبةُ قلبي؛ حِمَارَةُ عُمري: سيغريده.

– شيء حلو؛ وكيف تعرَّفتَ إليها؟

– من الفيسبوك؛ في مجموعة: حِمَارات عَزبَاوات في استوكهولم.

فابتسم له جحا: – تُذكّرني بفيلم إيطالي؛ اسمه: الفايكنغ القادم من الجنوب.

هَمَسَ حِمَارَوِيه بخَفَرٍ: – قالت لي سيغريدة بأنّ ذكورَ الحميرِ في السويد قد انقرضوا، وكلُّ ما حولَنَا ثلجٌ، وفي القلبِ صقيعٌ قُطبيٌّ، ونكادُ نموتُ من زَمهَرِيرِ الوحدة.

علّق جحا: – يا سلام؛ شِعر إسكندنافي حديث.

فنبَّهَهُ حماره: – لم يكن شِعرًا.. هذه ترجمةُ “غوغل ترانسليتر”.

ثمّ أردَفَ: – كتبت لي سيغريدتي: الملك والملكة مُهتمَّانِ شخصيًا بِلَمِّ شَملِ الحمير في مَحميَّةٍ خاصة بهم، وبانتخاب ملك عليهم، في احتفال فلكلوري شعبي، وقد تكون أنت ملكنا، كما أنتَ الآنَ مَلِكُ قلبِي يا “هَبِيبِي هِمَارَوِيه”.

ربَتَ جحا على عُنُق حماره: – أنتَ ذاهبٌ لتحسينِ النَسلِ إذًا؛ فلا تُخيِّب أملَ قومِكَ بكَ؛ ارفع رأسَهُم عاليًا في بلاد الفايكنغ.

فتمَلمَلَ حِمارَويه ونهقَ غاضبًا:

– أنتم معشر البشر، وبخاصةٍ شعوبَ شرقستان؛ لا تُفكّرونَ إلا بالصُرَّةِ وما تحتها، أما تعلمُ بأننا -معشر الحمير السوريين- كطاساتِ النُحَاس من أينَ نَقَرتَهَا.. ترِنّ، ونفهمُ في كلِّ شيء؛ِ من الكَبَاب إلى عِلمِ الأنساب، ومن الخِيميَاءِ إلى الكِيمياء، ومن الكُبَب إلى الأدَب، ومن سِوَاقَة التريزينة إلى التشفيط في الفضاء؛ ونحن أولُ مَن زَرَعَ القَمحَ، وابتكرَ الانقلابات العسكرية؛ فحصدنا النكبات والنكسات، أولُ من اخترعَ الأبجدية وابتكرَ رأسماليّة السوق الاشتراكية، أولُ من وَحَّدَ الآلهةَ في السماء، وتفرّقَ في الأرضِ قبائلَ ومذاهبَ وطوائفَ وعصبيّات، أول من نَقَشَ الوصايا على مِسَلَّةٍ، وأول من خالفناها؛ ونحن أولُ من سَكَنَ المُدُنَ وجعلناها دُوَيلاتٍ لا يُوحِّدُها حتى خرابُ بابلَ والبصرة؛  أوّلُ من خاضَ حربًا ضَرُوسًا طوال أربعين عامًا؛ من أجل ناقةٍ بَسُوسٍ عَجفَاء؛ نحنُ أأأ   وّلُ من كَفَّرَ الفلاسفةَ والعلماء، واغتال الخلفاء، ومجّدَ الطغاة، ومَدَحَهُم بالقصائد العَصماء؛ ونحن أولُ مَن ثارَ على الظُلمِ، ثمّ لم يمضِ بثورَتِهِ كالقابضِ على الجمر؛ فانقلبت ثوراتُهُ وِبَالًا عليه.

فما كاد يُكمِلُ جُملَتَهُ حتى صرخَ جحا فيه:

– أهذا جلدٌ للذات قبل ذهابكَ إلى بلاد الفايكنغ والملذّات؛ كلُّ شعوبِ الأرض مرَّت بما كابدناه؛ فمالك تنهَقُ كالندَّابات، وتلطمُ من فَرطِ شعورِكَ بذنوبِكَ، ولن أمنعكَ عن هجرتِكَ؛ على أن يكونَ شيءٌ من بلدِكَ في حقيبةِ روحِكَ؛ فلطالما هاجرَ السوريون، وهُجِّروا، إلى بلاد الله؛ وإن كانت تلكَ تغريبَتَهُم الكُبرى، بعد محنتهم الكُبرى بأيدِ عصابةٍ منهم، استعانت علينا -بعدَ استبدادِهَا- بِسوَانا؛ فلطالما استقوى الطُغاةُ على شعوبِهِم بالغُزاة.

ثم التفتَ إلى حمارِهِ؛ فوجدَهُ يَدمَعُ، ثمّ أنّ حِمَارَويه اختلجَ باكيًا، وحَرَنَ من تأثّرِهِ، قائلًا لجحا: – أهونُ الشَرَّينِ أن أبقى حمارًا؛ فما نفعي إذا صرتُ في تغريبتي ملكًا للحمير، بلا بلدٍ وُلِدتُ فيه.

ثمَّ عَنظَزَ باتجاهِ “بازارِ بيازيدَ”؛ ناهقًا: – أنا ذاهبٌ لأستردَّ بَردَعَتي.

———– /  عن موقع جيرون
www.geroun.net