الرئيسية / سياسة / حروب الوكالة ربح إسرائيليّ صاف!

حروب الوكالة ربح إسرائيليّ صاف!

….. / الكاتب : علي الكردي

من الخطأ المبالغ فيه أن نبني تحليلنا السياسي بحسب نظرية “المؤامرة”، لكن ينبغي في الوقت ذاته أن ننظر بعين متفحّصة إلى منظومة العلاقات والمصالح الإقليمية والدولية المعقدة، من دون أن نستبعد الأدوار المشبوهة لأجهزة الاستخبارات، والأدوات التي تنفّذ استراتيجيات اللاعبين الإقليميين والدوليين، الذين يرسمون سياساتهم، اعتمادًا على خلاصات بحثية، تقدمها لهم مراكز البحث العلمي التي تدرس بالتفصيل: موازين القوى على الأرض، والتناقضات، والسيناريوهات المحتملة، والأولويات… إلخ.

من جهة أخرى، من الصعب على أي متابع للصراع في منطقتنا تحليل ما يجري بناءً على الوقائع الميدانية، أو اعتمادًا على ما يصدر من الإعلام العربي، ومؤسسات البحث العربية التي تعاني من التبعية والتبريرية، ومن نقص الحريات؛ ولا سيما مع غياب استراتيجيات عربية، ومع الفصل بين ما تنتجه دوائر البحث، وأدوات الفعل، وصنع القرار في الدول العربية.

مناسبة الحديث، دراسة نشرتها -أخيرًا الصحف الإسرائيلية، صادرة عن معهد بيغن – السادات للسلام؛ تتحدّث عن المخاطر المترتبة عليها وعلى الغرب، في حال واصلت الولايات المتحدة، وحلفاؤها العمل؛ من أجل القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية؛ تنصح إسرائيل حلفاءها الغربيين اعتماد سياسة إضعاف التنظيم، وليس القضاء عليه، وتسرد الرسالة الأسباب التي تقف وراء هذه النصيحة. تلك الأسباب التي تقدمها إسرائيل لحلفائها الغربيين على شكل نصيحة، هي في الواقع سياسة عملية تعتمدها في الإقليم؛ ما يؤكد أنها تلعب دورًا حيويًا في الصراعات الجارية، ولها مصلحة في تسعيرها، طالما أنها تستنزف طاقة ومقدرات شعوب المنطقة ودولها، بعدما أخذ الصراع طابعًا مذهبيًا، سنيًا – شيعيًا، بسبب الطموحات التوسعية لإيران وأدواتها، وبسبب مخاوف الدول العربية السنية من هذا التوسع؛ ما يفسّر سياسة الولايات المتحدة (الحليفة الاستراتيجية لإسرائيل) تجاه الأزمة السورية، حيث اعتمدت (المصلحة الإسرائيلية) في استنزاف أطراف الصراع، وإطالة أمد الأزمة، عبر “إدارة الأزمة”، لا حلها، والتدخّل المباشر، أو غير المباشر؛ لمنع حسم الصراع عسكريًا. بالتأكيد ثمة عوامل أخرى تحدّد السياسة الأميركية، لكن العامل السابق على رأسها.

ولكي تخفف الدراسة الإسرائيلية من خطر (داعش)، ودورها في نشر الإرهاب (الذي طالت شظاياه  الدول الغربية أخيرًا)؛ تستنتج أن الخطر لا يكمن في تنظيم الدولة، وإنما فيما يسمّونها “الذئاب المنفردة”، وبالتالي تنصح إسرائيل الغرب والتحالف الدولي، التعامل الأمني مع تلك “الذئاب” وليس القضاء على (داعش).

مثل هذه السياسات لا يقرؤها العرب، ولا يلتفتون إلى خطورتها على استقرار أنظمتهم السياسية، بينما سارعت تركيا -بعد العمليات الإرهابية التي ارتُكبت في مدنها- إلى إعادة حساباتها، حيث مدّت يد المصالحة إلى إسرائيل، وهاهي تمدّ يدها -بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي لم تستبعد شبهة دور ما للولايات المتحدة فيها- إلى روسيا وإيران، وليس من المستبعد أن تقوم بانعطافة جديدة في سياستها تجاه الملف السوري.

يبدو ظاهر المشهد وتحولاته غرائبيًا؛ إذ كيف يمكن لدولة مثل تركيا -وهي جزء من الحلف الأطلسي، وحليفة أساسية للغرب والولايات المتحدة، على الرغم من بعض الخلافات السياسية بين آردوغان وإدارة أوباما- كيف يمكنها أن تجمع في سياستها وتحالفاتها كل هذه التناقضات؟!

في السياسة ليس ثمة أصدقاء دائمين أو أعداء دائمين، وإنما هناك مصالح دائمة، ومن الطبيعي أن تُدافع الدول عن مصالحها القومية، ويبدو أن الانعطافة الجديدة في السياسة التركية، انعطافة استراتيجية وليست تكتيكية، كما يظن بعض المحللين، ويمكن لمقبل الأيام أن يوضح حجم وعمق تلك المتغيرات التي بدأت ترخي بظلالها على كامل المشهد السياسي في عموم المنطقة.

نعود إلى التذكير بما يغيب عن ذاكرتنا المثقوبة؛ فبدلًا من اللهاث وراء الحدث الميداني اليومي، متناسين الأبعاد الأعمق للصراع، لنتذكر مؤتمر “هرتسليا” الذي عُقد قبل ثلاث سنوات، بحضور قادة الفكر والنخب السياسية والثقافية الإسرائيلية؛ لقد أوصى المؤتمر -في حينه- الحكومة الإسرائيلية بأن تسعى إلى إقامة حلف سني في المنطقة، تكون جزءًا منه. هذا التصوّر مبني على رؤيا إسرائيلية لتطورات الصراع في المنطقة والإقليم، وعلى بلورة الآليات والأولويات المبنية على قراءة موازين القوى، واستعدادات الدول السنية العربية، التي تبحث عن عوامل تساعدها على مواجهة الأخطار التي تحدق بها، والتي أسهمت إسرائيل أساسًا في صنعها، سواء عبر استعصاء حلّ الملف الفلسطيني، وانكفاء الدور الأميركي، أو حالة الركود واليأس التي شاعت في المنطقة؛ الأمر الذي فتح الباب أمام إيران لمدّ نفوذها عبر أذرعها، والاستثمار في القضية الفلسطينية.

لقد أصبح الحلف الإسلامي السني حقيقة واقعة على الأرض اليوم، وقارب جزء من الطموح الإسرائيلي أن يتحقق شيئًا فشيئًا؛ فإسرائيل إذ تدعم أحد أبرز مصادر التهديد والخطر في المنطقة (كما أعلنت جهارًا في نصيحتها لدول التحالف الغربي حول تنظيم الدولة الإسلامية)، تريد أن تكون في الوقت ذاته جزءًا من التحالف الإسلامي السني!

لقد أصبح الملف الإيراني أولوية بالنسبة للدول العربية السنية، ولا نلغي –طبعًا- مسؤولية إيران في هذا الصدد، بينما أصبح الملف الفلسطيني معطّلًا أو مؤجلًا؛ هذه المسألة كانت نقطة خلافية بين إدارة اوباما التي حاولت ربط الملفين، وبين إسرائيل، وقد حُسمت هذه النقطة لصالح إسرائيل التي عملت على الفصل بين الملفين، ووضع الملف الإيراني في سلّم الأولويات؛ لذلك، تحاول إسرائيل –اليوم- جني أثمان باهظة من الدول العربية، تصبّ ربحًا صافيًا في جيوبها، مستفيدةً من حروب الوكالة في الملعب السوري الذي فتحه النظام على مصراعيه.